فهرس الكتاب
قال ابن القيم في"زاد المعاد"في هديه - صلى الله عليه وسلم - في سجوده: [وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء في السجود، وقال:"إنه قَمِنٌ[1] أنْ يُستجاب لكم". وأحسن ما يُحمل عليه الحديث، أن الدعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة. والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر في سجوده من النوعين. والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة أيضًا نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب. وبكل واحدٍ من النوعين فُسر قوله
تعالى: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) والصحيح أنه يعم النوعين.] أ. هـ (باختصار)
وكان عمر - رضي الله عنه - يستنصر بالدعاء على عدوه، وكان أعظم جنده، وكان يقول للصحابة: لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء .. وكان يقول: إني لا أحمل همَّ الإجابة ولكن أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء فإن الإجابة معه.
فمن أُلهم الدعاء فقد أُريد به الإجابة؛ فإن الله سبحانه يقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) [غافر:60] ، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة:186] . وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن لم يسألِ اللهَ يَغضبْ عليهِ". وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته، وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه.
موانع الدعاء:
قال ابن القيم:[الدعاء مِن أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان. وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا. فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب عن القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليه، كما في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ".
فهذا دواء نافع مزيل للداء. ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته. وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أيها الناسُ! إنَّ اللهَ طيبٌ لا يَقبلُ إلا طيبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بهِ المرسلينَ، فقالَ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [المؤمنون:51] وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة:172] ، ثم ذكرَ الرجلَ يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ يَمدُّ يدَه إلى السماءِ: يا ربِّ! يا ربِّ! ومَطعمُه حرامٌ، ومَشربُه حرامٌ، ومَلبسُه حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟"
وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب"الزهد"لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: إنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليَّ أكفًّا قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم؟! ولن تزدادوا مني إلا بُعدًا ..
ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويَدَع الدعاء. وهو بمنزلة مَن بذر بذرًا أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. وفي البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"يُستجابُ لأحدِكم ما لم يَعْجَلْ، يقولُ: دعوتُ فلم يُستَجَب لي"] [الجواب الكافي]
دعوة لا تُرد:
وللدعاء المجاب شرائط وهي: أن يدعو بأحسن الأسماء، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف:180] ويخلص النية، ويظهر الافتقار، ولا يدعو بإثم، ولا بما يستعين به على معاداته. وأن يعلم أن نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوله وأعطاه. ومعلوم أن مَن هذا حاله فمجاب الدعوة ..
(1) قَمِن: خليق وجدير وحقيق