و في المقابل نجد الخوارج يقفون موقفًا مشابها ؛ من حيث تضيق معنى السنة إذ يردون أخبار الصحابة الذين ابتلوا في الفتنة ، فيكفرون عثمان ، وعليًا ، وأصحاب الجمل ، والحكمين ، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين ، أو أحدهما. و بهذه الذريعة ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة ، لرضاهم بالتحكيم ، و اتباعهم أئمة الجور ( ! ) على زعم الخوارج فلم يكونوا أهلًا لثقتهم (1) ( ! ) .
و مع هذا التنازع المرير حول سنة البشير النذير لا يثبت أمام موازين النقد العلمي إلا تعريف أهل السنة و الجماعة ، السائرين على ما سار عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و صحابته الحاكمين بعدالة الصحابة ، وصحة نقلهم لسنة نبيهم ، المتلقين بالقبول ما صح عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - قولًا و فعلًا و تقريرًا و صفةً و سيرةً و ...
المبحث الثاني
حجية السنة
الحجة - بضم المهملة و فتح الموحدة مع التشديد - في اللغة: البرهان . تقول: حاجه فحجه ، أي: غلبه بالحجة . و في المثل ( لج فحج ) ، وهو رجل محجاج، أي: جدل (2) .
أما في الاصطلاح: فالحجة ذات معان عدة ، منها: الدليل المفيد غلبة الظن (3) أو الدليل الذي يفيد العلم سواء كان ضروريًا أم نظريًا استدلاليًا .
و عليه فإننا حينما نتساءل عن السنة: أحجة هي أم لا ؟ فمعنى تساؤلنا هذا هو: هل السنة دليل يفيدنا شرعًا ما يصلح أن يكون دليلًا لتقرير حكم شرعي أو إفادة خبر قطعي أو نحو ذلك ؟
و لا شك أن الحجية قرينة العمل فإذا سلمنا بأن السنة حجة قائمة في الشرع مستقلة في إنشاء الأحكام الشرعية فإن ذلك يقتضي وجوب العمل بما جاء فيها ، و هذا ما سنبينه قريبًا بتوفيق الله و عونه .
أما حجية السنة فهي ثابتة لا ينكرها إلا مكابر متبع لهواه منكر للنصوص الشرعية و مخالف لإجماع الأمة .
(1) ... المرجع السابق ، ص: 130 .
(2) ... انظر: الصحاح 1/ 304 مادة:"حجج".
(3) ... معجم لغة الفقهاء ، ص: 175 .