الصفحة 480 من 1012

عرفت الكتاتيب منذ فجرالإسلام و إن لم تحمل الاسم ذاته ، فقد سُئل أنس بن مالك ( ، كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر و عمر و عثمان و علي - رضي الله عنهم - ؟

فقال: كان المؤدب له الخابية (1) ، و كلُّ صبيٍّ يأتي كل يوم بنوبته ماءً طاهرًا فيصبّونه فيها ، فيمحون به ألواحهم ، ثمَّ يحفرون حفرة في الأرض فيصبون ذلك الماء فيها فينشف (2) .

من هذه الرواية تتضح معالم التعليم في الكتاتيب البدائية ، فهي للصبيان الصغار ، و لكلِّ صبيٍّ لوح يكتب عليه ، و هي الصورة ذاتها التي ظلَّت معروفة حتى عهد قريب في معظم ديار الإسلام ، ثم انحسرت ، و عزَّ وجودها مع انتشار التعليم النظامي ، و زحف الحضارة الوافدة على البقيَّة الباقية منها (3)

(1) الخابية: الجرة العظيمة ، و هي نحو القلة ، تسع ثلاث قرب . انظر: الأوسط لابن المنذر 1 / 262 .

(2) ... أخرجه محمد بن سحنون في آداب المعلمين ، ص: 86 - 87 ، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سعيد ، عن زيد بن ربيع ، عن بشر بن حكيم ، عن سعيد بن هارون ، عن أنس بن مالك به .

... قلت: في إسناده جماعة لم أقف لهم على ترجمة بعد طول بحث ! وأخشى أن يكون دخله تصحيف و تحريف، خاصة و أني قد وقفت في هذا الكتاب على تصحيفات في مواضع أخرى ، و الله أعلم .

(3) ... رأيت بعض الكتاتيب منذ سنوات في السودان ، و ما جاورها من بلدان إفريقيَّةَ و ربما عرفت هناك باسم (خلاوي تحفيظ القرآن الكريم) ، و قد كان التعليم في الكتاتيب سرًَّا الوسيلة الوحيدة للتعليم و تربية أبناء المسلمين على مبادئ دينهم في البلدان الشيوعية ، قبل انهيار ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي ، و تصدع الماركسيَّة .

أما في موريتانيا ( شنقيط ) فرأيت نموذجًا رائعًا للتعليم يسمونه بالمحاضر ، و هو امتدادٌ لأسلوب التعليم في الكتاتيب ، حيث يلازم التلميذ فيها المشائخ و العلماء السنين الطوال ، يأخذ عنهم العلوم الشرعيَّة على تنوعها ، و يحفظ المتون و الحواشي ، قبل أن يتخرَّج فيها مجازًا بالفتيا و الرواية و التدريس و القضاء ، و ما إلى ذلك ، و بين من يتخرَّج فيها جهابذة في الحفظ و الضبط و الإجادة ، و كأنَّهم بقيَّة من بقايا السلف رضوان الله عليهم . ( الباحث )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت