الصفحة 569 من 1012

ولا يستغرب موقف كهذا من ابن عمر - رضي الله عنهم - ، الذي كان يُخاف على عقله من فرط تعلقه بالسنة ، والتزامه بها ، وله في ذلك حجة ، وعليه برهان ، من قوله تعالى: { وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [الحشر: 7 ] .

فلا غرو ، ولا غضاضة بعد هذا في أن يتبع ابن عمر آثار النبي الكريم ، إلى حد كبير حتى إنه ليشاهد شجرةً نزل تحتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيصب الماء على أصلها كي لا تيبس ، ويظل يأتيها ليستريح في ظلها لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك (1) .

وقد ترسخ مفهوم الاقتداء في نفوس الصحابة فمن بعدهم من سلف هذه الأمة وخلفها حتى أصبح الاتباع أحد أهم المعالم التي تميز المسلمين عن غيرهم في الحياة ، ومنهجًا لا يسع أحدًا الخروج عليه .

أما نسبة الالتزام بهذا المنهج ، فقد تتفاوت بحسب القرب والبعد من عصر النبوة من جهة ، ومن ديار الإسلام و معاقله الأولى من جهة أخرى ، فنرى الصحابة رضوان الله عليهم في أعلى مراتب الاتباع ، وهو ما لا نجده في كثير من المتأخرين ، كما نجد أهل المدينة أقرب فهمًا للسنة وعملًا بهدي رسول الله ، حتى عُدّ مذهبهم حجة شرعية عند كثير من أهل العلم ، بينما نجد أهل الآفاق والثغور أقل اتباعًا في الغالب .

ومن البلدان التي نأت عن مشكاة النبوة زمانًا ومكانًا البوسنة والهرسك حيث وصلها الإسلام متأخرًا ( بعد القرن الثامن الهجري ) فضلًا عن بعدها عن بقية أقطار المسلمين .

و على الرغم من ذلك تبوّأت البوسنة مكانة مرموقة في ظل الخلافة العثمانية و عرف العالم الإسلامي علماء و أدباء و شعراء أعلامًا من أبنائها .

(1) ... إسناده صحيح:

أخرجه الحميدي في"مسنده" ( 665 ) ، و ابن حبان في"صحيحه" ( 7074 ) ، و البيهقي في"السنن الكبرى"5 / 245 ، من طريقين عن نافع مولى ابن عمر ، عن ابن عمر ( به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت