الصفحة 111 من 160

* ثم قال الحافظ (وبُلْدَانهِمْ) . أشار الحافظ إلى أن فائدة ذلك هو الأمن من تداخل الاسمين إذا اتفقا لفظًا وخطًا وافترقا في النسب ، فنعرف أيهما الراوي برواية أهل بلده عنه. قلت: ويستفاد منه أمر مهم آخر هو عدم سماع الرواة من بعضهم على مذهب البخاري وجمهور المتقدمين الذين يشترطون ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة. مثال ذلك: حديث يرويه ابن خزيمة والحاكم من طريق أبي معيد حفص بن غيلان الشامي عن طاوس بن كيسان اليماني عن أبي موسى الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيأتها ،ويبعث يوم الجمعة وهي زهراء منيرة أهلها محفون بها…"الحديث. قال ابن خزيمة في صحيحه:"إن صح الخبر ، فإن في النفس من هذا الإسناد"، وصححه الحاكم والألباني و حسنه المنذري والدمياطي واستغربا متنه ، إلا أن أبا حاتم أبان لنا علته في ''العلل'' حين قال:"مرسل لأن أبا معيد لم يدرك طاوسًا". مع أننا لو نظرنا إلى أبي معيد لوجدناه يروي عن طبقة طاوس كعطاء بن أبي رباح ، ولذا فالذهبي وضعه في طبقة الأعمش وعبد الله بن عون وهما قد أدركا من هو أقدم من طاوس ، فمعاصرة أبي معيد ظاهرة جلية عند التأمل ، وهنا تبرز أهمية معرفة بلدان الرواة ، كما بينه الحافظ ابن رجب في ''شرح العلل'' حين قال: ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال: أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده لم يعلم أنه رحل إلى بلده ، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه أ.هـ". قلت: فالراوي شامي يروي عن يمني ، فلعل هذا هو سر قول أبي حاتم. وهنا قد يرد سؤال سائل فيقول: لماذا عبّر أبو حاتم بقوله"إن أبا معيد لم يدرك طاوسًا"مع ظهور معاصرته له ، والجادة أن يقول: لم يسمع منه ؟ فالجواب ما أشار إليه ابن رجب حين قال: (إذا قال بعضهم: لم يدركه ، فمرادهم الاستدلال على عدم السماع منه بعدم الإدراك) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت