وقد عدَّ ابن جني (35) تركيبَ هذا الحرف من صور إصلاح اللفظ التي عقد لها بابا في كتابه"الخصائص"أسماه ( بابٌ: في إصلاح اللفظ ) ، يقول: ( ومن إصلاح اللفظ قولهم: كأنَّ زيدا عمرو ، اعلم أنَّ أصل هذا الكلام: زيد كعمرو ، ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه"إنَّ"فقالوا إنَّ زيدا كعمرو ، ثم إنهم بالغوا في توكيد التشبيه فقدَّموا حرفه إلى أول الكلام عنايةً به ، وإعلامًا أنَّ عقد الكلام عليه ، فلمَّا تقدَّمت الكاف وهي جارة لم يجز أن تباشر"إنَّ"لأنَّها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل ، فوجب لذلك فتحها ، فقالوا: كأنَّ زيدا عمرو ) (36) .
وبعد أن تقدَّمت (الكاف) وتركَّبت مع ( إنَّ ) استغنت عمَّا كانت تتعلَّق به (37) ، فلم تعدْ تتعلَّق بشيء ، وهذا أوَّل تغييرٍحصل لها بسبب"التركيب"أمَّا التغيير الآخر: فإنَّ معنى التشبيه الذي كانت تؤدِّيه اختلف ! ويوضِّح هذا الاختلاف ابن يعيش بقوله: (فإن قيل: فما الفرق بين الأصل والفرع في"كأنَّ"؟ - قيل: التشبيه في الفرع أقعد منه في الأصل ؛ وذلك إذا قلت: زيد كالأسد ، فقد بنيت كلامك على اليقين ثم طرأ التشبيه بعدُ ، فسرى من الآخِر إلى الأول ، وليس كذلك في الفرع الذي هو قولك: كأنَّ زيدًا أسد ؛ لأنَّك بنيت كلامك من أوله على التشبيه ) (38) ، ويؤكِّد ابن جني الرأيَ القائل بأنَّ هذا التغيير سببه"التركيب"بقوله: ( فهذا يدلُّك على أنَّ الشيئين إذا خُلطا حدث لهما حكمٌ ومعنى لم يكن لهما قبل أن يمتزجا ) (39) .
الحرف الرابع: حرف الاستدراك ( لكنَّ )