وما أحسن ما قاله علي بن إبراهيم ـ رحمة الله تعالى ـ: (( وقد جعلها ـ أي ليلة النصف من شعبان ـ أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوها شبكة لجمع العوام ؛ طلبًا لرئاسة التقدُّم, وملأ بذكرها القصاص مجالسهم , وكلُّ عن الحق بمغزل ) ).
قلت: وصدق هذا العالم في قولته هذه (1) , وقد أكد كلامه جمع من العلماء المحققين ، والفضلاء الربانيين , وأسوق لك ـ أخي القارئ ـ جملةٌ من كلامهم , لتتسلّح به , وتسوقه عند الجهلة الطغام من العوام ، ممن لا زال في قلبه ميل إلى تعظيم هذه المواسم ، التي تفعل بها البدع والحوادث .
قال الإمام أبو شامة المقدسي في كتابه (( الباعث ) ) (ص124 ـ بتحقيقي) : (( وأما الألفية فصلاة ليلة النِّصف من شعبان ، سمَّيت بذلك لأنها يقرأ فيها ألف مرة { قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ } لأنها مئة ركعة في كلِّ ركعة يقرأ الفاتحة مرة و(سورة الإخلاص) عشر مرات .
وهي صلاة طويلة مستثقلة ، لم يأت فيها خبرُ ولا أثر إلا ضعيف أو موضوع ، وللعوامِّ بها افتتان عظيم والتزم بسببها كثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد ، التي تصلَّى فيها ، ويستمر ذلك الليل كله ، ويجري فيه الفسوق والعصيان، واختلاط الرجل بالنساء ، ومن الفتن المختلفة ما شهرتُهُ تغني عن وَصفِهِ ، وللمتعبدين من العوام فيها اعتقادٌ متين ، وزين لهم الشيطان جعلها من أصل شعائر المسلمين .
(1) وله سلف فيها ، نقل الطرطوشي في (( الحوادث والبدع ) ) (ص138 ـ ط الطالبي) ، عن الأوزاعي قوله: (( بلغي أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة, وألقى عليه الخشوع والبكاء، لكي يصطاد به ) ), ويحقق ما قاله الواقع, كما تُقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم, قاله الشاطبي في (( الاعتصام ) ) (1/216 ـ بتحقيقي) .