فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 49

ونسوق قصة أبي الدرداء ثم حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص ففيهما عبرة . فعن أبي جحيفة قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة (1) ، فقال لها ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل. قال: فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل. فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صدق سلمان ) (2) . فأبو الدرداء لم يشتغل عن زوجه بسفاسف الأمور؛ بل بعبادات لله جل وعلا، فإنه كان دائم الصيام، ويقوم من الليل أغلبه، ومن كان هذا شأنه فإنه لا بد وأن يقصر في حق أهله، فنُهي أبو الدرداء عن ذلك لأنه مجحف بحق الزوجة . ومثل أبي الدرداء، عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كان صائمًا نهاره، قائمًا ليله، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لأنه مضعف بحق الزوجة، وسبيل إلى الإملال ثم الترك . قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: ( يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ ) . قلت: بلى يا رسول الله. قال: ( فلا تفعل،صم وأفطر،وقم ونم،فإن لجسدك عليك حقا،وإن لعينك عليك حقا،وإن لزوجك عليك حقا) (3) قلت: أين أولئك الأزواج الذين أجحفوا بحق أهليهم في النفقة، والإطعام، والكسوة، وقضاء الوطر، من غير عذر، فهذا يشح على أهله بماله ويبخل به، وهذا يهمل أهله ولا يشبع حاجتهم من

(1) . قوله متبذلة: أي رثة الهيئة والثياب . وذلك قبل أن يفرض الحجاب .

(2) . رواه البخاري (1968)

(3) . رواه البخاري (5199) ، ومسلم (1159) واللفظ للبخاري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت