فهرس الكتاب
أما آخر ما نزعم به لإنكار صدورها عن عمر، أنها لو لم تصدر في زمن الرسول (ص) واجتهد عمر إضافتها لأسباب موجبة لوردت العبارة بلغة ناهية أو آمرة مشبعة بإحساس القوة التي وصل إليها المسلمون في عصره، وليست من طبيعة عمر تلك الموادعة والليونة، فيترك المكلفين مستغرقين بنومهم، وهو الذي يعالج أسباب صراخ الطفل الذي لم ينم ليلته. وهو صاحب العسس، جَّواب الليل. فكيف يدع المبطرين نائمين والصلاة قائمة؟.فيلامسهم بما هو بديهي. والبديهي أن الصلاة خير من النوم!.
كان عمر على طريقته هذه، سيخرج النائمين والدرة تعلو رؤوسهم، ولو كانوا قادة من وزن سعد بن أبي وقاص أو شعراء من وزن حسان بن ثابت.
أقول لو أن الضرورة دفعت بعمر لإضافة عبارة، الصلاة خير من النوم إلى الأذان، لكان النص كما أتخيله هذه الساعة يملأ مسامعي على الصورة المفترضة معاذ الله.
حيّ على الفلاح - حيّ على الفلاح
لاخير في نائم، والفجر لاح
استغفر الله لي ولكم.
هل كان الزهد مطلوبًا في ثراء الفتوحات ؟
يرى كتّاب علمانيون أن زهد عمر فيه بعض التكلف والاصطناع، وقد يكون غير مبرر في دولة انفتحت على بيت المال، فيها خزائن الماس والذهب وأموال الخراج من أغنى دولتين في الشرق القديم، وطَفر معدل الدخل الفردي إلى أكثر من مئة ضعف، ودخلت أموال إلى المدينة فقيل أن بعض الصحابة كانوا يكسرون أحجار الذهب بالفؤوس.
ويدعمُ القائلين بهذا الرأي أنّ الدولة الإسلامية لم تكن تحرّم الثراء، والشرع يدفع المسلمين إلى التجارة التي ترد في النص القرآني والحديث الشريف في موارد الثناء.
إنّ الإمام علي يجيبُ على سؤال المعترضين من أهل العلمنة والحداثة في حوار مع الربيع بن زياد الحارثي منقولًا عن الأحنف بن قيس أنّ الحارثي جاءَ إلى علي وقال: يا أمير المؤمنين إنّ أخي عاصم بن زياد لبس العباءة وتنسّكَ وهجر أهله فقال له الإمام:
عليَّ به، فجاءه وقد ائتزر بعباءة وارتدى بأخرى، أشعث أغبر، فقال له: ويحك يا عاصم، أما تستحي من أهلك. أما ترحم وِلدك؟.
ألم تسمع قوله تعالى: { ويحّلُ لهم الطيبات } ، أترى أن اللَّه أباحها لك ولأمثالك، وهو يكره أن تنَالَ منها، أما سمعت قول رسولَ الله (ص) إنّ لنفسك عليك حقًا ولولدك عليكَ حقًا؟.
فقال له عاصِم:
فما بالك يا أمير المؤمنين في خشونة ملبسكَ وخشونة مطعمك وإني أقتدي بزيك؟.