فهرس الكتاب
فقال له الإمام: ويحك إنّ الله فرض على أئمة الحق أن يتصفوا بأوصاف أفقر رَعيتهم، لئلا يزدري الفقير بفقره، وليحمد الله على غناه.
ودخَلَ سويد بن غفلة على الإمام علي في بيت الإمارة بالكوفة، وبين يديه رغيف من شعير وقدح من لبن، والرغيف يابس، فأنكر سُويد عليهِ ذلك فالتفت إليه الإمام قائلًا:
ويحَكَ يا سُويد ما شبع رسول الله (ص) من خبزٍ ثلاثًا تباعًا، حتى لقي الله، ولانُخل له طعام.
وفي رواية ثانية عن سُويد أنّه قال: دخلتُ على عليٍ يومًا، وليس في داره سوى حصيرٍ رثٍ، وهو جالسٌ عليه فقلتُ يا أمير المؤمنين أنت ملك المسلمين والحاكم عليهم وعلى بيت المال، وتأتيك الوفود، وليس في بيتك سوى هذا الحصير فقال:
إن البيت لا يتأثث في دار النقلة.
وفي النص تتركز الإجابة على مبدأ قد نتعارف عليه بإشعاع النموذج أو جاذبية المثال يتصل بتعفف الحاكم فيتعفف من معه.
وهذا جانب أخلاقي وسياسي كان له دور في انجذاب المجتمع الإسلامي نحو حكامه الزاهدين.
ويتصل المبدأ الثاني بالمألوف الإسلامي الديني، الذي يعافَ متاع الحياة الدنيا، زاهدًا بدار النقلة مطمئنًا إلى ما ستوفره دار الإقامةِ.
لم يستمر زهدُ الخلفاء بعد أبي بكر وعمر وعلي ويعزو مؤرخون كطه حسين وعلماء اجتماع مثل علي الوردي ومفكرون يساريون كهادي العلوي وحسين مروة إلى عثمان بن عفان مسؤولية الخروج على زهد عمر وعلي إلى حياةٍ أكثرَ رفاهًا وترفًا.
يقول هادي العلوي في كتابه فصول من تاريخ الإسلام السياسي:
إن البناء الذي شرع عمر بن الخطاب في إرسائهِ على صعيد السياسة الداخلية انهار بعد مقتله مباشرةً، وذلك حين توصلت الارستقراطية الإسلامية إلى تعيين عثمان في حين أثبتت السرعة التي نقضَ بها عثمان إجراءات عُمر عدم متانة الأساس الذي قامت عليه، وقد عبّرت سياسة عثمان. عن نقاوةِ موقفهِ (الطبقي) كان انحيازه الحاسم إلى الأرستقراطية قد رافقه وقطَعَ أوهى الصلاتِ، التي ربما كانت تجمع الإسلام الرسمي بالعناصر المستضعفة في المجتمع الجديد.
قد لا أتفق مع هذا التحليل، لعدم اعتمادي أساسًا على المنهج الطبقي في تفسير التاريخ، ولِظني أن التطور الاجتماعي الذي أحدثته الفتوحات في زمن عمر واستمر إلى خلافة عثمان كان سينقل الدولة الجديدة إلى مرحلة أخرى لم يكن للجزيرة العربية عهدٌ بها، وكان رأس الدولة سيتصرف سواءً كان عثمان أم غيره على ضوء العناصر الجديدة والواقع الرأسمالي الجديد لهذه الدولة.