فهرس الكتاب
لكن عثمان كان دائمًا يدفعُ ثمن التطورات المفاجئة اقتصادية أم سياسية أم إدارية، لأن نصيبه المُقدّرَ قد وضعهُ خليفةً لعمر وأمامه إمام تتطلعُ إليه قلوب المستضعفين من أهل الإسلام الأوّل.
إن عثمان كان في مأزق سيكون مثله أي مُرَشح من الستة الذين تنافسوا على الخلافة في مجلس الشورى.
كان الإمام علي يستحوذ على أحلام ومشاعر عامة فقراء المدينة وأرجاء الدولة الإسلامية، فيما الاتجاهات العامة للدولة لم يكن باستطاعتها أن تخضعَ للاتجاهات الطبقية التي يعزُزها تعفف عمر وزهد علي. ولم يستوعب هذا الخط أن يُقاوِم النقلة، التي أحدثتها الفتوحات في المجتمع والاقتصاد والثقافة وما يترتب على ذلك من تأثير في المزاج والطموح لدى المسلمين.
باعتقادي فإن أول من استجاب لهذه النقلة الاقتصادية والحضارية هو عثمان، الذي لم يجد في مزاجهِ وتربيته منذ الطفولة، وحتى الشيخوخة ما يتناقض ومفهوم الرفاه. وقد نشأ أميرًا في محيطه وصاحب ثروة وممولًا للحركة الإسلامية الجديدة التي قادها النبي (ص) .
وكان التطور الذي حدث عند عائشة مشابهًا لواقع عثمان، فهي زوجة مؤسس الدولة الإسلامية، وقائدها نبي المسلمين وابنة أول خليفة في الإسلام، والصحابية التي كان الصحابة يتنافسون على رواية حديثها، وقد امتدّ بها العُمْر إلى ما بعد الثمانين، وأصابت حِصَتَها من الغنائم طيلة سبعين عامًا. وسيكون لعائشة دور الأميرة المُعاصِرة، وهي تُطِّلُ على أعرابِ وفقراء متمردين على الخليفة فتُعبر بكلام ينقله الطبري، ويجد فيه الماركسيون مبتَغاهم لوصفها ممثلة الأرستقراطية الإسلامية الجديدة.
تقول عائشة:
إن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمرٌ، ويردد الزبير بن العوام شيئًا من روح حديثها، وقد تحول هذا الصحابي إلى طبقة جديدة مدعومًا بشرف الصُحبة ونبالة النَسَب القريب من النبي (ص) ليقول عمن يُسميهم بغوغاء الأمصار، وقد ظاهرهم الأعراب والعبيد يتزاحمون لهجوم على بيتِ الخليفةِ الثالت فيقتُلُونَهُ.
( إذا لم يُفطَم الناس من أمثالها. لم يبقَ إمام إلاّ قَتَلهُ هذا الضرب) .
ليس لعمر حكم ووصايا
يضفي المنهج الكلاسيكي على عمر بن الخطاب معظم العناصر والسمات التي يشترك فيها من هم في درجة أدنى من الأنبياء حواريين وصحابة أئمة ومريدين وأتباعًا من الرعيل الأول.