فهرس الكتاب
ومن هذه السمات أن يكون الحواري والصحابي والإمام في عداد الحكماء، الذين ينقطعون إلى أنفسهم، فيتعلقون بعالم المثل الإلهية، وتتحد مخيلة الصحابي والإمام والحواري والفقيه الأول بالمنشور الروحي، ويستحيل الواحد منهم حكيمًا كلقمان أو أفلاطون أو كونفيشيوس.
إن بعض الدارسين والمتحدثين صنفوا عمر بن الخطاب في هذا الطراز المنقطع إلى فكره والمقيم مع مخيلتهِ.
أما تيار القطيعة فلطالما تحدث عن فقر الميراث العمري من الحكم والوصايا، وهي عندي من المثالب الجليلة وسنرى دليل قولنا هذا.
إن عمر ليس معدودًا في الحكماء ولم تتسق ظروف الحكمة مع مزاجه أو طبيعة عملهِ في الجاهلية والإسلام.
فهو أولًا رجل عملي واقعي، يعيش تفاصيل الحياة اليومية، ويجبره الصغير فيها بما يجبره الكبير، فيما الحكيم منقطعِ معتكف، جسده على الأرض وعيناه إلى السماء أو أن تستديرا نحو الكائنات الصغيرة مشغولًا بها لعله يخرجُ من عزلته قواعد للناسِ.
وعمر من أصحاب المشاريع الكبيرة، وهؤلاء أقل الناس كلامًا وأوجزهم نصائح وأبعدهم عن الوصايا، فإذا انقضى عهدهم تركوا للشعراء ولملتقطي الحكمة سجلًا حافلًا غير مُسجل على لسانهم بل هو مطبوعٌ على تجاربهم اليومية.
لم يكن عمر بن الخطاب محسوبًا على المفكرين والمبدعين، لكنه كان يمتلك حاسةً مشبعةً بروح العدالة، وروحًا شعرية شفيفة، ولم يضع عمر أمامه فكرةً يكرهها على أن تتحول إلى الحياة بالقوة، وإنما تتحول التجربة عنده إلى فكرة.
إنه أقرب إلى صنف التكنولوجيا وليس من صنف التنظير المثالي.
لم يقرأ عمر بن الخطاب كتابًا في أخطار الهجرة الريفية على الاقتصاد الوطني، عندما قرر إجلاء أبناء القبائل الذين لجأوا إلى المدينة المنورة في عام الرمادة بعد عودة المطر والظهور الأول للعشب والماء في الجزيرة، عند انتهاء الجفاف في ذلك العام.
ولم يكن عمر يبحث في المثيولوجيا ولا في الانثربولوجيا حين منع أبناء الشعوب المفتوحة من الإقامة في المدينة. فهو في ذلك الوقت كان معنيًا ببناء مجتمع ناشىء متجانس وبتجربة حديثة العهد، قد تتضرر من اتصالها واحتكاكها بثقافات سابقة وتجارب عريقة لليهودية والمسيحية والمجوسية ولنظريات الحكم الساساني والروماني.