فهرس الكتاب
إن الجانب البشري في عمر بن الخطاب يغري الناس في مساءلته واستجوابه دونما حرج، ولا أخفي انبهاري بهذا الجانب، وإباحة سري، في الميل نحوه، والجرأة على الكتابة فيه، إن بشرية عمر تجعل"مثالب القطيعة"جليلة وانتقادات المحايدين قابلة للرأي وضده.
الصلاة خير من النوم
أرى أن أذان الفجر ينطوي على روح طبقية في ذات النبي (ص) ، ثائرة على البطرين والمدللين والكسالى والفارغين الذين ينامون حتى الضحى، وكنا نتمنى لو كان صوت المؤذنِ حيًا، تحس فيه بحرارة الوجدان، وليس مسجلًا على شريط مخروط.
إن بعض المتحدثين ينسبون إلى عمر بن الخطاب إضافة جملة والصلاة خير من النوم إلى الأذان، فهل لدينا من المعرفة التاريخية والفقهية مايدفعنا إلى تأييد هذا الرأي أو نفيه؟.
إن بعض المؤرخين إذا كانوا من أهل المذاهب، فهم مثل أهل السياسة والعقائد الذين يكتبون التاريخ الحديث على ضوء عقائدهم، وليس على منعكس الأحداث والوقائع. لكن الرواية تعكس شخصية صاحبها وعندي شيء من الثقة بالقدرة على فحص الرواية العمرية على ضوء سايكولوجية الرجل، وما نتعارف عليه بعالمه الخاص في الذائقة والمعرفة، والوجدان والأسلوب، وسيكون اجتهادنا أنها لم تصدر عن عمر، ليس بالدليل النقلي، كما قلنا وإنما بمواءمتها مع روحية عمر وأسلوبه، وهما معروفان لدينا.
المعتقد أنها ترتبط بالسنوات الأولى للبعثة النبوية، والناس لم يعتادوا بعد على الاستفاقة في ذلك الوقت، إلا لألم أو مرض أو هَمّ من هموم العشق، فيسألون النجوم متى تغيب ليروا في الصباح التالي من يحبون رؤيته، فلا بد من حث المسلمين على اليقظة المبكرة، وإفهامهم أن الصلاة أفضل وأجمل من الاستغراق بالنوم.
وننكر أن يكون ذلك حصل في خلافة عمر، ورغبة منه، لأن المدينة تعودت على صلاة الفجر بعد تلك السنوات، وصار مألوفًا أن تبدأ نهارها قبيل ظهور الخط الأبيض في الأفق، فيستمر بعضهم يقظًا، ويعود آخرون إلى افتراش أرضهم.
وفي جانب الأسلوب ننكر أن تكون العبارة لعمر، وهي تشير إلى طلب شفيف، يدل على مرحلة مبكرة تستدعي الرفق الشديد بالمسلمين الناشئين والحذر من أن يغلبهم النوم، فيما الإسلام في عهد عمر قد تجذر وتجذرت طقوسه في نفوس المسلمين،حتى صارت العبادة عادة.