فهرس الكتاب
وكان ممكنًا لو لم يجرِ عليهم ذلك الإجراء وفيض الأموال يزخ عليهم من بلاد الشام وبلاد فارس ومصر وظهور طبقة رجال الأعمال من الصحابة، وهم تجّار مُتمرسون، وباتساع الأموال والمؤسسات أن ترى مع كلُ رجل أعمال صحابي مدير أعمال يهودي يصرف أعماله، وصاحب المال يدري أو لا يدري، كما هي حال أهل الخليج في أيامنا هذه، فلكل رجل أعمال مدير لأعماله من مسيحيي لبنان الماهرين أو من مسيحيي أوروبا.
ونَميل إلى سبب آخر ربما فكّر عمر به، والله أعلم، لتفسير قرار إجلاء اليهود والمسيحيين من الجزيرة العربية، حاجة الأمم والدول في سنوات نشوئها الأولى للتجانس الاجتماعي، الذي بدونه قد تقع مكوناتها الناشئة تحت ضغط النموذج الحضاري لديانات متمرسة ومقتدرة على أن تجد لها مكانًا في زحمة انشغال المجتمع الإسلامي بمآثر الفتوحات.
إحراق عمر مكتبة الاسكندرية
في المتداول التاريخي أن عمر بن الخطاب أمر عمرو بن العاص إحراق مكتبة الاسكندرية، التي أنشئت في عهد البطالسة، وفيها 700 ألف مجلد، فأسعفت آلاف الحمامات بوقود لمدة ستة أشهر.
يرى محمد حسين هيكل في كتابه الفاروق إن هذه الرواية"إحراق عمر مكتبة الاسكندرية"، نشأت في بيئات شيعية. قائلًا:"ولعل هذه الأسطورة نجمت في بيئات الشيعة، فذكرها أبو الحسن القفطي في كتابه:"تاريخ الحكماء"، ونقلها عنه أبو الفرج بن العِبرى، وكلاهما عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، وقد تداولها عنهما من جاء بعدهما من المؤرخين. وقد أحكموا حبكها. وفي وسعك أن تتبيّن هذا الإحكام من طريقة روايتها. فقد ذكروا أن قسيسًا من القبط يدعى حنّا (1) النحوي عزله مجمع الأساقفة لزيغ في عقيدته، كان قد اتصل بعد الفتح بعمرو بن العاص، فلقى عنده حظوة لذكائه وصفاء ذهنه وغزارة علمه. فلما اطمأن إلى إقبال عمرو عليه، قال له يومًا:"لقد رأيت المدينة كلها وختمت على ما فيها من التحف. ولست أطلب إليك شيئًا مما تنتفع به، بل شيئًا لا نفع له عندك وهو عندنا نافع"."
(1) - يسميه المؤرخون المسلمون"يحيى"