فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 218

وسأله عمرو: ما يعني بقوله، فأجاب:"أعنى بقولي ما في خزائن الروم من كتب الحكمة". فقال له عمرو:"إن ذلك أمر ليس لي أن أقتطع فيه رأيًا دون إذن الخليفة". ثم إنه بعث إلى عمر يسأله رأيه في الأمر، فجاءه الرد من المدينة وفيه ما يأتي:"وأما ما ذكرت من أمر الكتب فإذا كان ماجاء بها يوافق ما جاء في كتاب الله فلا حاجة لنا به، وإذا خالفه فلا أرب لنا فيها وأحرقها". فلما جاء هذا الكتاب إلى عمرو، وأمر بالكتب فوزّعت على حمامات الاسكندرية لتوقد بها، فما زالوا يوقدون به ستة أشهر. هذه خلاصة وجيزة لرواية القفطي، وقد أردفها بقوله:"فاسمع لما جرى وأعجب!"

أنت ترى براعة الحبك في هذه القصة. فحوار بين حنا وعمرو، وكتاب من عمرو إلى الخليفة، ورّد من الخليفة يأمر بإحراق المكتبة، وتفصيلٌ دقيق للطريقة التي نفّذ بها هذا الأمر. كيف يبقى بعد ذلك كله أي ريب في صحة هذه الوقائع؟! وكيف يخالج المؤرخين المسلمين فيها الشك وقد كتبت في القرن السادس الإسلامي حين جمد التفكير والنقد، وأصبح جهد المؤلفين مقصورًا على نقل الروايات التي ذكرها من سبقهم دون تمحيصها لمعرفة صحيحها من باطلها. فليثبت المؤرخون المسلمون هذه القصة العجيبة كما هي، ولينقلها الخلف منهم عن السلف، وليذكرها المؤرخون المسيحيون مؤمنين بصحتها، وليعلّقوا عليها بما يشاءون، فهم لم يكونوا يتصوّرون الإسلام والمسلمين إلا اقترنا في أذهانهم بالتعصب المذموم والقسوة الوحشية. ولتبق هذه الوقائع مقطوعًا بصحتها حتى يلقي عليها النقد العلمي ضياءه الكشاف فيظهر بطلانها، فيزيفّها"جبّن"، ويزيّفها"سدّيو"، ويزيفها"رينان"، ويزيفها"جستاف ليبون"، ويزيفها"بتلر"، ويزيفها غير هؤلاء من المؤرخين، ثم تزيفها دوائر المعارف البريطانية والإسلامية وغيرها ويزيفها تاريخ المؤرخ، ويذكر في تزييفها ونفيها ما قرره علماء المسلمين صراحة من"أن ما يغنم في الحرب من كتب اليهود والمسيحيين الدينية لا يجوز بحال أن يقدم طعامًا للنار، وأن مؤلفات العلماء والمؤرخين والشعراء وعلماء الطبيعة والفلاسفة يحقّ الانتفاع بها لخير المؤمنين". ولا تحسب أن المؤرخين اكتفوا في نفي هذه الأسطورة بالإسناد إلى مثل هذا الاعتبار العام، فقد تناولوها بالتمحيص حتى ثبت لهم أنها لاتثبت له، ثم نفوا حوادثها واحدةً واحدة نفيًا علميًا دقيقًا مستندًا إلى أوثق المصادر"."

إبطال الرواية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت