فهرس الكتاب
ولعله لم يكن ينظر إلى من هو أمامه سوى أنه من الرعية، فيعلوه بالدرة اذا ما خالف هامشًا من تلك الأمور. وكان من المخفوقين بها طلحة والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة.
لكن المرويات لم تتحدث أنه خفق أًحدا من بني هاشم مما يثير التساؤل العريض عما وراء ذلك؟.
فلماذا خفق بها كبار الصحابة، ولم يخفق بها صغار بني هاشم، وهم عنده سواء، ومخالفة الهوامش توجب الخفق صدرت عن هاشمي أم من غيره. ألا يفسر هذا أن عمر كان يضع بني هاشم في مواضع أخرى؟. فإذا كان عمر يتوقف عند عامة بني هاشم فماذا كان مقام زعمائهم كالعباس بن عبد المطلب وابنه؟.
يروى أن عمر خفق رجالا ونساءً في الحرم، كانوا يتوضأون سواسية، ففرقهم، ثم قال لرجل من إدارة الحرم:
ألم آمر أن تتخذ حياضًا للرجال وحياضًا للنساء؟.
ثم اندفع فلقيه الإمام علي، فقال عمر: أخاف أن أكون هلكت.
قال الإمام علي: وما أهلكك؟.
قال: ضربت رجالًا ونساءً في حرم الله.
قال الإمام علي: إنك راع من الرعاة، فإن كنت على نصح وإصلاح، فلن يعاقبك الله، وإن كنت ضربتهم عن غش فأنت الظالم.
ويروى أن رجلا جاء إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين انطلق معي، فأعني على فلان فإنه ظلمني. وكان عمر، مشغولًا ببعض الأمور العامة. وقد يكون، والله اعلم، أنه شعر أن استجابته لمثل هذه الدعوات، تحول مركز الخلافة إلى مركز شرطة في قرية، فانتفض عمر وخفقه بالدرة قائلًا:
تتركون عمر وهو مقبل عليكم ـ أي عندما يقوم بجولاته في أحياء المدينة - حتى إذا اشتغل بأمور المسلمين أتيتموه. فانصرف الرجل متذمرًا. فهاجم عمر الخاضع دائمًا لعتاب الضمير شعور عاجل بالإثم، فاستدعاه على الفور، وألقى إليه بالدرة وطلب إليه أن يخفقه بها. لكن الرجل تركها لله. فأخذه معه إلى بيته وصلى ركعتين، فما كان من الأحنف بن قيس وكان معه إلا أن يوجه كلامًا لعمر لو وجه بعضه لمأمور الحدود أو ضابط الجمارك على حدود عربية لحرمك من دخول البلاد وتتركك في عراء عرعر وحفر الباطن، أو عند الرطبة وأبو الشامات. فلم يخاطبه بلقبه أميرًا للمؤمنين قائلًا: يا ابن الخطاب كنت وضيعًا فرفعك الله. وكنت ضالًا فهداك الله. وكنت ذليلًا فأعزك الله. ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعديك فضربته فماذا تقول غدًا لربك إذا أتيته؟.
ويختتم الأحنف روايته قائلًا:
فجعل أي عمر يعاتب نفسه معاتبة ظننت أنه خير أهل الأرض.