فهرس الكتاب
وقد ننزل مع التاريخ إلى المائة الثانية للهجرة، فينسب ظهور التشيّع إلى زمن الإمام جعفر الصادق وتلميذه هشام بن الحكم، الذي قام بدور التشكيل الهندسي والبناء الفكري لفكر الإمام جعفر الصادق، يشبه إلى حد دور الفقيه أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة في صياغة المذهب الحنفي.
ولو أجرى معهد غالوب المعروف بدقته استبيانًا في أروقة القطيعة لحصل الإجماع على يوم السقيفة، حيث يشخص عمر بن الخطاب وجها لوجه، فيصب على وجهه مصبوب المرويات منذ ذلك التاريخ. فكأن الأمة قد انشطرت بالسقيفة إلى شطرين. وعنهما نجمت ثنائية عمر وعلي، ولعل هذه النتائج المفترضة ستكون أخف ضررًا من تأصيل الفرقة بزمن النبي (ص) ، وكأن الإسلام ولد مشطورًا. وكأن النبي (ص) كان يتحرك بجناحين، على غرار الواقع السياسي الراهن، جناح لعلي وآخر لأبي يكر، ولا بأس أن يسارع حملة الأيدولوجيا إلى تسمية أحدهما باليسار، وثانيهما باليمين، ويصبح الإمام علي زعيم اليسار، وأبو بكر زعيم اليمين، فيسقط التاريخ بإسقاطات الحاضر.
فقهاء التنقيص!!.
إن الكتابة الآن في عمر اختراق لحملة التنقيص التي تضرب التاريخ الإسلامي والإسلاميين من خارجهم، بعد أن كان منهج التنقيص محصورًا في إطار الثقافة والمثقفين الإسلاميين المستغرقين في صراعاتهم، فلا يدخل ميدان التنقيص، إلا فقيه بالمذاهب، وعالم بالرجال، ومحدث يستوعب علم الحديث ومدارسه. ومنطيق درس أرسطو، وأديب تعلم في مدارس البلاغة.
وباستمرار المناقصات، تتضاءل حجوم الرجال الأوائل، وتطغى المثالب على المكارم.
إن فقهاء الخلاف هم المتخصصون بهذا المنهج، لم يشاركهم غيرهم فيه، فإذا كتب العلمانيون في مطلع القرن الماضي، وحتى ربعه الثالث، فإنما يخضعون لقوانين الصراع الاجتماعي، ومفسرات السايكولوجية البشرية، وفي الحالتين يبدو عامة الناس عاجزين عن دور كهذا. والناس مبرأون من مثالب التنقيص. لكنهم يتلقون معلومات العلماء والمؤرخين عن طريق وسيط فتتحول الأحداث في مخيلتهم إلى نقائضها. أو يضاف إليها، فإذا ضعفت المعلومات بعوامل النسيان والاندثار، طلع عليهم الدعاة بما يجدد شبابها، فيعيد الحياة إلى عمر ذئبًا يترصد عليًا، أو قد يصبح قاتل الحسين هو قاتل الفتنة.
ولهذا فإن الاعتقاد بدور كبير للمتنورين من علماء اجتماع وكتاب وشعراء سيبدو غير دقيق، وعاجزًا عن التأثير في معتقدات معمرة، ومشاعر متأصلة.