فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 218

إن التنقيص، هو المقابل اللغوي لنزعة الهجاء التي تجد لها دعاة ومستمعين، سوى أنه هجاء يستهدف الشخصيات الكبيرة، من أهل البيت، والصحابة، ورؤوساء المذاهب، ومن هنا خطورة التنقيص على سلامة المعلومات التاريخية. لا سيما أنه من شغل الكبار، فقد اشتغل أعظم أديب عربي، كالجاحظ في منهج التنقيص، في كتابه (العثمانية) الذي لم يتورع فيه عن سلب الإمام علي فضائله المنصوص عليها في كلام الله. وحديث رسوله، وعلى لسان الصحابة، فيرد على معتزل البصرة معتزلي من مدرسة بغداد، هو أبو جعفر الاسكافي، مدافعًا عن الأمانة التاريخية، والمكارم العلوية، فما الذي يستطيع فعله الفقراء والجهلاء والدهماء المتهمون، بأنهم حملة الفصل والتشهير الطائفي؟.

وتؤكد الموجة الحالية لحملة التنقيص وجهة نظرنا هذه ورجال التنقيص أدباء ومؤرخون وكتاب، خرجوا من حمأة الصراع الطائفي متسامين عليه، متساقطين في حمأة التشكيك، لينالوا بالدرجة الأولى من شخصية النبي (ص) ، وفصل حركته عن إرادة السماء، واعتبارها سلكًا موصولًا بحلم السيادة القرشية، والرغبة الهاشمية القديمة بإقامة دولة مكة.

وأوغل كتاب الموجة النزقة في التعريض الشخصي، فدخلوا غرفة نومه، وبين أزواجه، مما تشكل الرسوم الدانماركية، قياسًا لكتابات تصدرها مؤسسات عربية مسلمة، مجرد طرفة!.

وطالما أن الحملة أنجزت مشروع الفصل وسارت على النبي محمد (ص) رجلًا حالمًا، بدولة قرشية، سهل عليهم أن يجردوا أصحابه ورجاله المؤسسين من حلة الاحترام، مستفيدين من ميراث وافر لفقهاء التنقيص الأوائل، يردون على أقوال من يطعنهم بالتشهير، وليس عليهم أن يصنعوا الروايات، أو يكتبوا التاريخ من جديد، فالمتناول من الأقوال مٌستمد من كتب الفقهاء والعلماء والأدباء الأوائل المتورطين في حملة التنقيص.

ومن الإنصاف أن كتاب الموجة النزقة قد يتوقفون عن نقل روايات لم يتوقف عن ترديدها فقهاء الصراع تجنبًا لمساءلات قانونية أو ردات فعل شعبية. ولم يجرؤ كاتب من الملاحدة أن يترضى عن قاتل عمر بن الخطاب فيقول أبو لؤلؤة رضي الله عنه، ولا أن يترضى عن قاتل حفيد نبي المسلمين،وسبي حفيداته، حافيات من الكوفة إلى الشام. فيما كان عمر يرفض سبي نساء العرب في قبائل مرتدة، معترضًا على صاحبه أبي بكر، فأعاد السبي إلى ديارهم. إن كتب الفرق والطوائف والمذاهب شكلت مادة أساسية للتشهير الاستشراقي والعلماني بالإسلام.

ثنائية القطيعة والمشاركة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت