فهرس الكتاب
إن نفوذ القائلين بنظرية المشاركة هو المؤكد علميًا، والغالب عدديًا، والنافذ المفعول في الثقافة المدنية القائمة على دراسة مستقلة وحرة للتاريخ، فطرقت أبواب التشيع في مركز عصب الخلاف، ولم تكن الاستجابة كبيرة في عصرنا، لكن مرجعًا كالإمام محمد الحسين كاشف الغطاء لم يتأخر عن إصدار الإعلان الشيعي الشجاع والأصيل في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) الصادر منتصف الخمسينات الميلادية والقائل بثقل حجية المشاركة. وكان باحثون أكاديميون وموسوعيون في الجانبين الإسلامي والعلماني من دعاة المشاركة، كجعفر الخليلي وعلي الوردي وحسين مروة وهادي العلوي وهاشم معروف الحسني، وهم أصحاب كتب ودراسات.
ولربما أيقظت هذه المدرسة في باحث إيراني شاب روحًا نقدية ألهبت إحساسه الإسلامي، هو الدكتور علي شريعتي، ليصبح أخطر مفكر إيراني وشيعي يجاهر بفكرة المشاركة في تحديات خرجت من عقر حسينية إرشاد في طهران، وهو صاحب نظرية التشيع العلوي والتشيع الصفوي، وواضع أسباب الانقسام ومجذر رسومها وأصولها بظهور الدولة الصفوية عام 1500 ميلادية.
ومن الإنصاف أن الصفويين لم يبتدعوا نظرية القطيعة، وقد كانت قائمة في مرويات محدودة لكن الصفويين نجحوا في أدلجة القطيعة ووضع مناهج خاصة بها في البحث التاريخي وثبتت لها القواعد القائمة على (الأدلة النقلية والبراهين العقلية) ووضعت موازنات لهذا المشروع، تحت تصرف أرفع العقول وأبهى الأسماء الفقهية في لبنان والعراق وإيران. ومنح فقيه الدولة الأول الشيخ علي الكركي صلاحيات الشاه، فصار حرامه حرام الدولة وحلاله حلالها. فعارضته المؤسسة الدينية في العراق والبحرين والإحساء والقطيف، واصطدمت بمعارضة كان طرفاها يختلفان في شرعية السلطان الصفوي ويتفقان في نظرية القطيعة، وإن كانت المعارضة أقل اندفاعًا في هذا الاتجاه، وأسلس روحًا وألطف عبارة. بينما دجج العلماء والمثقفون الصفويون القائلون بروح القطيعة الصارمة والأبدية، فنشروا المرويات الغريبة وأشاعوا الضعيف من الأسانيد. وكأنهم يستعيدون مرحلة مرت في التاريخ الإسلامي كانت الدولة الأموية تشتط بعيدًا في هذا الاتجاه، وكأن التاريخ لا يبدو حيويًا إلا بتوازن السوء فينشأ تشيع صفوي وتسنن أموي.