فهرس الكتاب
ومن الغرائب التي قام بها عمر، والكلام للوردي، أنه عيَّن عمار بن ياسر واليًا على الكوفة، وعيَّن سلمان الفارسي واليًا على المدائن، ولم يكن ذلك هينًا على قريش.
يقول طه حسين:
كان زعماء قريش وسادتهم يحسون أنهم الطلقاء، وأنهم أقل درجةً من الذين سبقوا إلى الإسلام وأبلوا فيه بلاءً حسنًا، فكان ذلك يغيظهم ويحفظهم ويشعرهم بشيء يشبه ما نسميه عقدة النقص أو مركب النقص.
ثم كانوا يعرفون رأي عمر خاصة فيهم، فكان ذلك يغيظهم من عمر، ويدعوهم إلى أن يحسنوا البلاء في الجهاد، ليظهروا لعمر أن رأيه فيهم جائر، عن القصد، وليظهروا ذلك للناس، وليظهروا ذلك لأنفسهم قبل أن يظهروه للناس.
وهذا هو تأويل ما روي من أن خالد بن الوليد أتى بعكرمة بن أبي جهل، وقد صرع في يوم من أيام الشام، فوضع رأسه على فخذه وجعل ينظر عليه، ويقول:
زعم ابن حنتمة أننا لا نستشهد! وابن حنتمة عمر.
كان عمر إذن يسوس قريشًا هذه السياسة العنيفة على علم بدخائل نفوسها وبعد همها وحرصها على الاستمساك بما بلغت والوصول إلى ما تبلغ، حتى ولو خاضت إليه الغمرات خوضًا.
وقد روي أن النبي رخص لعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكّة كانت به، فيُقبل عبد الرحمن ذات يوم على عمر ومعه فتى من بنيه قد لبس قميصًا من حرير,فينظر إليه عمر، ثم يقول: ما هذا؟ ثم يدخل يده في جيب القميص فيشقه إلى أسفله.
قال عبد الرحمن: ألم تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، قد رخص لي في لبس الحرير؟.
قال عمر: بلى! لشكوى شكوتها، فأما لبنيك فلا.
وعلى هذا النحو، كان يشفق على المهاجرين أن يتوسعوا فيما رخص لهم فيه النبي (ص) ، ويشفق على غير المهاجرين من قريش أن يتوسعوا حتى فيما لم يرخص فيه النبي (ص) . وقد قام عمر دون معاوية يأبى عليه غزو البحر إشفاقًا على المسلمين من هوله.
وأكبر الظن أنه كان يرى غزو البحر هذا الذي كان معاوية يلح فيه مغامرة من هذه المغامرات، التي لا تترد قريش في ركوبها، وكان يرى أن الحق عليه للمسلمين أن يجنبهم مغامرات فتيان قريش.
نستنتج من لائحة عرَضَها طه حسين لعمّال عُمر في الأمصار أنه أعطى لقريش ثلاثة عُمّال من بين (12) عاملًا، ووزّع المسؤوليات الأخرى على عمّال، واحدةٌ لخزاعة، وثلاثة لثقيف، وواحدة لليمن، وواحدة لبني سَهْم، وواحدة للأنصار وواحدة لكنانة.