فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 218

ولم يعجب عمر هذا الجواب، فرد عليه مغضبًا، كما يقول محمد حسين هيكل:"إن آل المغيرة ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه". وفي قصة تبرعه للأشعث بن قيس بعشرة الآف درهم اعترض عمر أن هذا المال يجب أن يحبس على ضَعَفةَ المهاجرين وليس أعطيات لذوي البأس والشرف واللسان. فيما كان عمر يفرض عليه أن لايعطي شاةً أو بعيرًا إلا بأذنه. فكان جواب خالد أما أن تدعني وعملي وإلا وشأنك وعملي.

وسمح عمر لبلال أن يأخذ عمامة خالد ويشد بها يديه من الخلف.

ولا نظن أن عمر بن الخطاب قد فعل ذلك مع عامة المسلمين، ومازلنا نتذكر غضبه على أبي موسى الأشعري لأنه شهر بشارب الخمر الذي شكا الأشعري عنده، وكان واليًا على البصرة. فطلب إلى الوالي الاعتذار منه وقبول شهادته إن تاب وعوضه بمال عما لحقه من إهانة. فكيف يهان خالد بن الوليد بسلسلة من الاتهامات تتدرج في لائحة الاتهام على الصورة التالية: تهمة قتل مالك بن نويرة، ولم يكن من أهل الردة.

زواجه من أرملة مالك.

استحمامه بالخمرة.

تبرعه بعشرة الآف درهم للأشعث بن قيس.

فإذا أضفنا إليها لائحة أخرى من هذا الغرار يستعرضها خليل عبد الكريم في كتابه إياه واتهامه بقتل النساء وحرق البيوت في غزواته، فسيكون خالد بن الوليد نموذجًا لضابط إفريقي أو من أمريكا اللاتينية وما إلى ذلك ممن لا يلتزمون بأخلاقيات العسكر.

وفي اعتقادنا أن الكثير من هذه الروايات مردود لتعارضه مع طبيعة الحياة في تلك المرحلة المبكرة من بدء التطبيقات التجريبية للإسلام وتحت إشراف عمر شخصيًا. ولعلي أنفي بعضها على الأقل، لاسيما رواية استحمامه بالخمرة والحوار بين عمر وخالد حولها، وكأن خالد ناشيء لم يعرف موقف الإسلام من الخمرة، أو كأن صاحب الرواية يصوّره على صورة أباطرة الشام في وقت لم يكن لهؤلاء الأباطرة حمامات من هذا القبيل. وانفي عن خالد أن يقتل امرأة ضعيفة. أما ما حدث في قتل مالك فالقاعدة الفقهية تقول: إن السلب للقاتل. لكن عمر لم يقتنع بهذه المسوغات.

أما من قتل خطأ في غزوات خالد، فالمعروف عسكريًا حتى في المناورات، سقوط عدد من القتلى بالنيران الصديقة.

ولا يأسف القائد العسكري على قتلى يقعون من قبل جيشه، وفقًا لقاعدة النيران الصديقة.

إن رجلًا عسكريًا بحجم خالد بن الوليد يتقبل إمارة من يصدر الخليفة قرارًا بتأميره حتى لو كان طفلًا فيطيعه، هو طراز محترف من الذين وهبوا عبقريةً عسكرية تهون أمامها أخطاء القادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت