فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 218

خرج الإمام علي على تقليد سائد في اللجوء إلى قوة السلاح أو حتى إلى حجج اللسان، فأحال شهور القطيعة الستة إلى معتكف علمي لدراسة القرآن ومراجعة الأحاديث النبوية وترتيب الأوراق والأولويات وأوراقه الشخصية وتنشيط الذاكرة وتسجيل شهادته في أسباب النزول، فأسست في شهور القطيعة الستة لأول مرة في تاريخ العرب والمسلمين ظاهرة السياسي المثقف والخليفة الفقيه ومن يسمى الآن آية الله أو المرجع الدستوري في الدولة. فجددت تلك المرحلة عشرين عامًا من التلمذة الروحية لمريد النبي (ص) والتربية العائلية لربيب ابن عمه والمشاركة اليومية في حياة داخل مسكن واحد فكبر مقامه الكبير في نفوس المسلمين وأضيفت لنفوذه الروحي أسباب الورع والزهد والبعد عن النَفَس في الرياسة وتعالٍ عن الخلاف، ولم يكن لرجل بدور الإمام في بناء الإسلام إن يبتعد في القطيعة إلى أكثر مما انتهى إليه قراره. وكان من الطبيعي أن يكون أصحاب الإمام وهم من رجال الصحبة الأوائل قد بايعوا معه ومعهم الهاشميون الذين لم يباعوا بعد، ولم يقاطع أي من أصحاب الإمام وبني هاشم مركز الخلافة، واندمجوا في الدولة الجديدة ولاةً وقادةً وأمراء مابين البصرة والكوفة والمدائن.

كانت سابقة للإمام علي قد تبدو فريدة في التقاليد السياسية للخلاف في الدولة الإسلامية، حيث لم يلجأ إلى الثورة ولا إلى شيء من التنظيم السياسي لحزب معارض فاعتمدت الشيعة الأمامية بعد مقتل الإمام الحسين ذلك نظرية عمل مقابل فريق شيعي آخر تزعمه الإمام زيد بن علي بن الحسين، وكان تواصلًا للطريقة العربية في ربط المعارضة بالثورة التي عبّر عنها الإمام الحسين في معركة الطف بكربلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت