فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 218

ثم قال: يامزني، بكم أريدت منك ناقتك؟. قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة، وأعفِ الغلمان السارقين من الحد، لأن حاطبًا اضطرهم إلى السرقة لجوعهم وحاجتهم إلى سد رمقهم.

ومن صميم الفقه الذي واجه به عمر التطور الجديد في الحياة العربية اجتهاده في تفصيل ما لم يرد عنه نص صريح في كتاب الله، فقد وضع القرآن نظامًا للتوريث لم يكن معروفًا قبل الإسلام، وفرض لكل ذي حق من الورثة حقه. على أن من التفاصيل مالم يكن عليه نص في هذا النظام. وقد رفعت لعمر مسائل أخرى لم يكن عليها نص في كتاب ولا سنة، فلم يكن بد لحلها من اجتهاد الرأي.

من ذلك المسألة المعروفة بالمسألة العمرية، أو المسألة الحجرية، فقد قسمت تركة فأصاب أخو المورث لأمه فرضه، ولم يبق لأخي المورث الشقيق ما يرثه. فلما رفع الأمر إلى عمر أفتى بأن الأخ الشقيق أخ لأم وأخ لأب معًا، فليس من الإنصاف أن يحرم لأنه شقيق، ولذلك قال: هبوا أباه كان حجرًا، وفي رواية كان حمارًا، وورثه من التركة على أنه أخ لأم يشترك مع غيره من الإخوة لأم.

وقد واجه عمر الشيء الكثير من مشاكل الميراث بعد طاعون عمواس بالشام، فقد هلك ألوف بهذا الطاعون، وتداخلت مواريثهم تداخلا كان يشغل دور القضاء في أية أمة. وكان مما صنعه أن قسم المواريث فورث بعض وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم. وتستطيع أن تتصور الدقة في هذا الأمر، وما يمكن أن يثور بسببه من نزاع. وليس من غرضي أن أفصل شيئًا من ذلك، وإنما أشير إليه تنويهًا باجتهاد عمر في مشكلة عويصة حلها في أسابيع حلا رضيه المسلمون جميعًا مع تعلقه بمنافعهم الخاصة، وهذا دليل بالغ وحجة على أن الناس يطمئنون إلى اجتهاد الرأي ما قام على أساس عادل نزيه.

أنتقل الآن إلى مسألة كان اجتهاد عمر فيها متأثرًا بسياسته العامة لأمور الإمبراطورية الناشئة، وبحرصه على مواجهة أطوارها الجديدة،وكان له أثره في ازدياد رقعتها فسحة وسعة، ذلك اجتهاده في شأن الأرض التي فتحت عنوة بالعراق والشام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت