فهرس الكتاب
لقد سبق أن تحدثنا عن الأصل في إبداع ضمير المتكلم (أنا) ، والمخاطب (أنت) وعرضنا في حينه أن العربي قد وضع (الهمزة) ذات الصوت الانفجاري في أولهما تعبيرًا عن الظهور والبروز والفعالية والحضور، ثم أتبعها بـ (النون) تعبيرًا عن الصميمية، إشارة إلى الذات- الإنسانية في المتكلم والمخاطب على حد سواء، وكان من أقطع الأدلة على الذاتية الإنسانية في (النون) استعمال (مَنْ) للعاقل و (ما) لغير العاقل.
ولكن العربي قد خصّ ضمير المتكلم بـ (الألف اللينة) في آخره. مما يوحي بالامتداد إلى الأعلى فصار (أنا) . أمّا المخاطب فقد خصه بـ (التاء) الضعيفة الرقيقة في آخره فصار (أنت) . وذلك إصرارًا من العربي على وضع المخاطب إطلاقًا في موقع (صوتي -اجتماعي - لغوي) أقل شأنًا من موقع المتكلم. فكان معنى (أنا) هو: (الذات الإنسانية الحاضرة بوضوح وتعال) وذلك في مواجهة المخاطب الحاضر الأخفض مقامًا منه، كما ألمحنا إلى هذه المقابلة بينهما أكثر من مرة.
أما (نحن) ، فهي لجمع المتكلم: (النون) الأولى للصميمية تعبيرًا عن الذات الإنسانية، كما في (أنا) . أما (الحاء) فمن موحيات صوتها الجميل الحُبُّ والحنين والحرارة، ومن معانيها الإحاطة كما أسلفنا في (حتى) . بما يتوافق مع خصوصية جمع المتكلم. و (النون) الثانية في نهاية (نحن) هي للكثرة قريبًا من وظيفة (النون) في نهاية جمع المذكر السالم فكانت خصائص أحرف (نحن) تتوافق مع الصميمية الذاتية والعاطفة الإنسانية بكثير من الرقة والأناقة والجمال والإحاطة وليس ثمة لفظة عربية. هي أحوى منها للقيم الجمالية والإنسانية، مما يشير إلى تعظيم الإنسان العربي ومحبته للجماعة التي ينتمي إليها، أسرة كانت أو قبيلة أو أمة.