الصفحة 123 من 146

كما عرضنا في حينه أن العربي قد حرم ضمير الغائب من (الهمزة) للظهور والحضور والعيانية ومن (النون) للذات الإنسانية. فأبدع له كلمة (هو) ، دون أن نعلل سبب ذلك لعدم المجال - وقد صاحبت (الهاء) ضمائر الغائب جميعًا في أوائلها على مثال ما صاحبت (التاء) ضمائرَ المخاطب جميعًا في نهاياتها.

فلماذا تصدرت (الهاء) ضمائر الغائب:

لا بد لنا أولًا من الكشف عن خصائص (الهاء) الصوتية، وعن معانيها المعجمية، ثم عن استعمالاتها التراثية، وذلك لمعرفة السبب الحقيقي الذي جعل العربي يخص ضمائر الغائب بهذه (الهاء) .

أولًا- حول خصائص (الهاء) الفطرية وموحياتها الصوتية:

تختلف خصائص (الهاء) وموحياتها الصوتية، وبالتالي معانيها، تبعًا لكيفية النطق بها. فإذا لفظ صوتها مشبعًا مشددًا على مخرجه، غير مخنخن به، أوحت اهتزازاته المتواترة بالاهتزاز والاضطراب والسحق والقطع والكسر والتخريب، وبما يماثلها من الأصوات الشديدة التواتر العالية النبرة.

وإذا لفظ صوتها باهتزازات رخوة مضطربة، دونما خنخنة، أوحى بمشاعر إنسانية من حزن ويأس وبما يحاكيها من الأصوات.

وإذا لفظ صوتها مخففًا مرققًا مطموس الاهتزازات، ولا سيما إذا وقعت ضميرًا في نهاية الكلمات أوحى صوتها بأرق العواطف الإنسانية وأملكها للنفس. فصنفتها في فئة الأحرف (الشعورية للمعاني الجيدة) انظر (الإطلالة ص65-66) .

أما إذا لفظ صوتها بطريقة تهكمية مخنخنًا به فهو يصبح أوحى أصوات الدنيا باللاضطرابات النفسية وبما يدعو للسخرية من مظاهر الهبل والهتر والتشوهات والعيوب النفسية والعقلية والجسدية.

ثانيًا- فماذا عن كل ذلك في معانيها المعجمية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت