ولكن ماذا عن طبيعة هذه المراحل؟، ومتى بدأت كل واحدة منها؟، ومتى انتهت؟، ثم ما هي الرابطة الطبيعية الفطرية بين كل مرحلة منها وبين خصائص الحروف التي ورثناها عنها؟
وأخيرًا ما هي طبيعة العلاقات الفطرية المتبادلة بين الحرف العربي والإنسان الذي أبدعه؟.
الدراسة الثانية- الحرف العربي والشخصية العربية نشرتها عام 992:
وأقضي معها خمسة أعوام في تقصياتي التاريخية والمناخية والأثرية والاجتماعية والنفسية واللغوية. وقد خلصت منها إلى أنَّ الإنسان العربي والحرف العربي قد تعايشا معًا منذ نشأتهما البكر في الجزيرة العربية عبر مراحل حياتية ثلاث، هي:
1-المرحلة الغابية:
امتدت منذ بداية العصر الجليدي الأخير في الألف (100) ق.م حتى نهايته في الجزيرة العربية قرابة الألف (14-12) ق.م ورثنا عنها يقينًا أصول الأحرف (الهيجانية) وهي (الهمزة ا-و-ي) وهي غريزية انفعالية أصلًا.
2-المرحلة الزراعية:
امتدت حتى الألف (9) ق.م ورثنا عنها باحتمال شديد أصول الأحرف (الإيمائية) وهي (ف، ل، م، ث، ذ) ، وهي تمثيلية تعتمد طريقة النطق بأصواتها بمعرض التعبير عن معانيها كما سيأتي في متن الدراسة.
3-المرحلة الرعوية:
امتدت لغويًا حتى العصور الجاهلية فالإسلام. ورثنا عنها الحروف (الإيحائية) ، وهي باقي الحروف التي تعتمد صدى أصواتها في النفس للتعبير عن معانيها. وهو أرقى أنواع التواصل اللغوي الذي تختص به اللغة العربية وحدها من سائر لغات العالم.
ونظرًا لاستقرار الإنسان العربي في الجزيرة العربية خلال هذه المراحل الثلاث كما تبين لي ذلك في (الفصل الثالث منها) ، فلقد كان يحتفظ بالضرورة وللضرورة في كل مرحلة لاحقة بما يحتاجه من أصول حروف المرحلة السابقة بعد تهذيب النطق بأصواتها بما يتوافق مع مستوياته (الحيوية والاجتماعية والثقافية) وهكذا ظل الإنسان العربي في جزيرته على تواصل لغوي مستمر لا انقطاع له مرحلة بعد مرحلة منذ فجر التاريخ حتى الإسلام.