فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 316

ولكن هذا الحرف بحفيف صوته الرقيق وبعثرة النفَس لدى خروجه من بين الأسنان العليا وطرف الشفة السفلى، يوحي بملمس مخملي دافئ ، كما يوحي بالبعثرة والتشتت. لتكون الخصائص الصوتية لهذا الحرف موزعة بين اللمسي والبصري.

ولقد كنت أتوقع فعلًا أن يضفي صوت هذا الحرف معاني الضعف والوهن والتشتت على الألفاظ التي يدخل في تراكيبها ، أخذا بالقاعدة الصوتية التي اعتمدتها في هذه الدراسة (حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث ) . كما قال ابن جني.

ولكن باستقراء معاني المصادر التي تبدأ بهذا الحرف في المعجم الوسيط لفت انتباهي أن قرابة ثلاثين في المئة منها تدل معانيها على الشق والقطع والشدخ. أحداث يتطلب تنفيذها شيئًا من القوة والشدة والفعالية ، مما يتناقض أصلا مع موحيات الرقة والوهن والضعف في صوت حرف الفاء.

فلم ذلك؟.

بتمحيص معاني هذه المصادر المذكورة آنفا وجدت أن ثمة رابطة أخرى تجمع بينها غير رابطة القوة والشدة. فهذه الأحداث ، وإن كان تحقيقها يتطلب في الغالب بعض القوة والشدَّة، فإن ظاهرة (الانفراج) تؤلف بينها جميعا.

فما هو سرُّ تفشي هذه الظاهرة في معاني معظم المصادر التي تبدأ بحرف الفاء، سواء مادَلَّ منها على الشدة أم الضعف؟.

لئن كان من نهج العربي بمعرض التعبير عن معانيه أن يطابق بين الصورة البصرية (المرئية) للحدث أو الشيء ، وبين الصورة الصوتية المعبرة عنه إيحاء، وذلك (حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث) فإنه قد كان لهذه القاعدة شذوذ خاص مع حرف الفاء. فالمطابقة مع هذا الحرف قد تمت هنا بين الصورة البصرية للحدث في (الشق والفصل والقطع) ، وبين الصورة البصرية لكيفية خروج صوت الفاء من بين الأسنان العليا والشفة السفلى، أي وفقا لطريقة النطق به، إيماء وتمثيلًا.

وتوضيحًا لذلك أبين مايلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت