فهرس الكتاب
وبذلك يكون من المرجَّح أن المرأة هي التي اهتدت إلى صوت (الفاء) بمعرض استخدامها حركة الفم بضرب الأسنان العليا على الشفة السفلى للتعبير عن حادثة الحفر في الأرض كأهمِّ عمل في حياتها الزراعية. فكانت حركة الفم بذلك أسبق في الزمن من صوت حرف (الفاء) . لتسقط الإشارات المرافقة له مع تطور اللغة في المرحلة الرعوية اللاحقة ، فلم يبق منها إلاَّ حركة ضرب الأسنان العليا على الشفة السفلى بالقدر اللازم لخروج صوت (الفاء) ضعيفًا واهيًا ، وكأنه لا علاقة بينه وبين ضربة الفأس القوية على أرض طرية. وذلك على مثال ما اهتدت المرأة بالذات إلى كل من حروف (اللام والثاء والذال) بمعرض استخدامها طرف اللسان للتعبير عن عمليات المضغ (باللام) ، وعن جنسي الأنوثة والذكورة (بالثاء والذال) قبل أن تهتدي إلى أصواتها كما مر معنا.
فالمرأة بحكم أمومتها الفطرية التي استتبعت أصالتها الحضارية ، كانت على مر الزمن هي الأرهف حسا ومشاعر ، والأولع بفنون الرقص والتمثيل والغزل، والأبرع في دنيا الصناعات اليدوية والمنزلية ومبتكراتها، مما يؤهلها أكثر من الرجل لإبداع الحركات والإشارات الإيمائية في المرحلة الزراعية بمعرض التعبير عن حاجاتها ، فتحول بعضها إلى أصوات حروف. ليتفنّن الرجل الراعي بعدها في استخدام هذه المادة الخام من الحروف بذات المنحى من المعاني بصورة عامة. لا يؤثر في صحة هذا الرأي أن تشذ عن ذلك معاني بعض الألفاظ التي تبدأ بهذه الحروف مما أبدعه الرجل في المرحلة الرعوية: حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث ، وليس ايماء وتمثيلًا.
ولو عاد القارئ إلى معاني الألفاظ التي تبدأ أو تنتهي بأي حرف من الحروف ، لوجد فيها من الأدلة المحسوسة ما يكشف عن المرحلة التي أبدع فيها العربيُّ صوته الفجر، وإن أجرى عليه بعض التعديل في المراحل الحياتية اللاحقة.
ولكن ما مدى تأثير الخصائص الإيمائية لحرف الفاء في معاني المصادر التي تنتهي به؟.