فهرس الكتاب
ولذلك فإن صوت الضاد بفخامته ونضارته وغُنّته، إنما هو أوحى أصوات الحروف قاطبة بمشاعر الشهامة والمروءة والشمم . ولا أدلّ على ذلك من أن الأصوات الغنائية التي تعتمد في غنتها التجويف الأنفي، إنما هي أشد أصوات الطرب إثارة لمشاعر النخوة والرجولة والعواطف القومية، كما في صوتي فايدة كامل في أغنية (يانيل) ، واسمهان في أغنية (حنَّا روينا سيوفنا من القوم) .
3-النون:
مجهورة متوسطة الشدة، رسمُها في السريانية يشبه النجم. معناها لغة: شفرة السيف أوالحوت أو الدواة، ولعل رسمها في العربية قد اقتبس من صورة إحدى هذه المسميات قبل أن يتطور إلى الرسم الحالي. فالنقطة في النون تمثل نتوءًا عند مقبض السيف، أو عين الحوت، أو مرتسم القلم في الدواة.
يقول العلايلي: إنها (للتعبير عن البطون في الأشياء) . ويقول عنها الأرسوزي: إنها (للتعبير عن الصميمية) . والمعنيان صحيحان ومتقاربان ولكنهما قاصران وهذه الإيحاءات الصوتية في النون مستمدة أصلًا من كونها صوتًا هيجانيًا ينبعث من الصميم للتعبير عفو الفطرة عن الألم العميق (أنّ أنينًا) .
ولذلك كان الصوت الرنان ذو الطابع النوني (أي ذو المخرج النوني) ، الذي تتجاوب اهتزازاته الصوتية في التجويف الأنفي، هو أصلح الأصوات قاطبة للتعبير عن مشاعر الألم والخشوع. (المقرئ الشيخ عبدالباسط عبد الصمد) .
على أن صوت النون إذا لفظ مخفَّفًا مرقَّقًا أوحى بالأناقة والرقة والاستكانة، وإذا لفظ مشددًا بعض الشيء. أوحى بالانبثاق والخروج من الأشياء، تعبيرًا عن البطون والصميمية، كما قال العلايلي والأرسوزي.
أما إذا لفظ بشيء من الشدة والتوتر، فلابد لموحياته الصوتية أن تتجاوز ظاهرة الانبثاق العفوية، إلى النفاذ القسري والدخول في الأشياء، وإذا لفظ بشيء من الخنخنة (إخراج الصوت من الأنف) . أوحى بالنتانة والخِسّة.