فهرس الكتاب
كما أن معاني الرقة والأناقة والضعف والجمال في المصادر التي تبدأ بالنون، كانت نسبتها (18%) . بينما كانت نسبتها في المصادر التي تنتهي بها (25%) .
ولكن لماذا طغت المعاني الدالة على الأصوات والاهتزاز، وما يفيد الانبثاق والنفاذ، على المصادر التي تبدأ بالنون، بينما كانت معاني الرقة والمرح والاستقرار والخفاء. ومتعلقات الأنوثة، أطغى على المصادر التي تنتهي بها.؟
والنون هي النون، إن في أول الكلام أو في آخره؟
ذلك أن العربي قد ميَّز بين شخصية النون في أول اللفظة، وبينها في آخرها، على مثال مانميز اليوم بين شخصية المرأة على رأس عملها، معلمة أو شرطية، رئيسة دائرة أو قاضية، نائبة أو وزيرة، وبين شخصيتها خلف رقيق الستائر، أُمًّا رؤومًا، وزوجة وفية، وربة بيت حانية، مصدر رعاية وإحاطة وحنان، وعنوان رقة وأناقة واستقرار واطمئنان.
فالنون في أول الكلام، لا يمكن أن تُلفظ إلا بشيء من النشاط والحيوية، لا بل كثيرًا مايقتضي المعنى أن نرصَّ بالصوت على مخرجها، لتتحول إلى مايشبه النون المشددة، ليصبح صوتها بذلك أكثر رنينًا، وأشد اهتزازًا وفعالية، وبالتالي أصلح مايكون للتعبير عن المعاني الدالة على الاهتزاز والاضطراب والانبثاق والنفاذ، ومايحاكي رنينها من أصوات.
وذلك على العكس مما لو وقعت النون في آخر الكلام، فهي لا تلفظ هناك إلا مخففة، مرققة، منعمة، يسكن الصوت إليها، كأنه يستقر على فراش من حرير، فكان صوتها بذلك أصلحّ مايكون للتعبير عن معاني الرقة والأناقة والجمال والاستقرار والخفاء والإحاطة والطمأنينة.
وهكذا غابت معاني الإقامة والاستقرار عن المصادر التي تبدأ بالنون، كما غابت معاني الاهتزاز والتحرك عن المصادر التي تنتهي بها. ولولا النون المشددة في آخر بعض المصادر لغابت عنها أيضًا، معاني الأصوات.