فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 316

ومما يلفت الانتباه، أنه كان من بين المصادر التي تنتهي بالنون ثمانية مصادر تدل معانيها على النتانة، بينما لم يكن في المصادر التي تبدأ بها سوى مصدر واحد يدل عليها هو (نتن) . لأنه ينتهي بالنون أيضًا.

فلقد رأى العربي أنّ مما يشوّه نطقه أنْ يبدأ اللفظة بنون مخنخنة الصوت بمعرض التعبير عن معاني العفونة والنتانة، بينما لاحظ أنّ الخنخنة بصوتها في آخر اللفظة هو أخفى لها وأقل تشويهًا للنطق بهما وأرضى لأناقتها، وهكذا بلغت نسبة المعاني الدالة على العيوب والنتانة، مما يستدعي الخنخنة بالنون، في المصادر التي تنتهي بها (13%) . بينما لم تبلغ هذه النسبة في المصادر التي تبدأ بها سوى (1%) .

كما يلفت الانتباه أيضًا عدم وجود أي مصدر يدل معناه على أية رائحة غير نتنة، عطِرة كانت أو غير عطرة، في جميع المصادر التي تبدأ أو تنتهي بالنون، على الرغم من رقة صوت هذا الحرف وأناقته، وذلك لأن صوت النون إذا لم يخنخن به، لا يوحي فعلًا بأية رائحة طيبة كانت أو غير طيبة.

وأنه لأمر عجيب أن يكون لذلك العربي الضارب في مجاهل الأرض والتاريخ هذه الحساسية السمعية والذوقية في التمييز بين موحيات صوت الحرف الواحد تبعًا لموقعه من اللفظة بمعرض التعبير عن معانيه.

ومن ألطف ماأبدع العربي وأذكاه في استعمالاته للنون أن اتخذها رمزًا للنسوة، فألحقها بالضمائر والأفعال، ليضفي عليهن وعلى فِعالهن من ألق النون طيف رقة وأناقة وعذوبة.

فالنساء عدما يقتلن أو يحرقن أويسبين، كان لابد لذهن العربي أن ينصرف مباشرة إلى المجازي الغزِل من معانيها، على العكس مما لو أسندت تلك الأفاعيل إلى الرجال.

ولم يقصر العربي عن هذا المستوى العالي من الذوق والذكاء بمعرض استعماله هذا الحرف في أغراض صرفية أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت