فهرس الكتاب
ولكن، إذا صح أن الشفتين تكونان أكثر استقرارًا في انطباقهما على بعضهما بعضا في اللفظة التي تنتهي بالميم، فإنهما تستقران بصورة مفاجئة، سواء بشدةّ حينا أم دونما شدةّ غالب الأحيان. أما عندما تلفظ الميم في أول الكلمة، فهي تلفظ بضم الشفة على الشفة بشيء من الشدةّ والتأني مما هو أكثر تمثيلًا لوقائع الرضاع والحلب والمصّ. وذلك يرجع إلى أن حرف الميم قد أبدع أصلًا لتمثيل واقعة الرضاع بالذات. فعمل العربي على ابقائه في مقدمة المقاطع الثنائية الحروف والثلاثية لمعاني الرضاع، وجعل الحروف المزيدة في المؤخرة كما سبق وأشرت إلى ذلك.
وفي الحقيقة، إن هذه المصادر التي تدل معانيها على الرضّاع والمصّ، هي أبلغ في التعبير وأكثر تمثيلًا لهذه الوقائع من أي لفظة عربية أخرى بما في ذلك لفظة الرضاع بالذات، وإن كانت هذه أعذب صيغة وأوقع في النفس جرسًا. لخاصيات (الرشاقة) في صوت الراء و (النضارة) في (الضاد) و (النصاعة) في العين، كما سيأتي. مما يرجّح معه أن تكون لفظة (مّا) بتشديد (الميم) ومدّ (الالف) ، قد أُبْدِعت في المرحلة الزراعية، بترجيح شديد، وذلك للتعبير بطريقة النطق بالميم المشددة إيماء وتمثيلًا عن واقعة مصّ الطفل ثدي أمهّ ترافقها حركة معينة. ثم سقطت الحركة مع الزمن، وتطور معناها من واقعة الرضاع إلى معنى الأمّ إطلاقًا، مرضعًا كانت أم غير مرضع.
ومن المرجح أن العربي قد طورّ لفظة (مّا) في المرحلة الرعوية إلى (أم) ، بإبدال الألف المهموزة في اللسان العربي، كما ذكر العلايلي. ولفظة (ماما) في اللهجات العامية ماهي في الحقيقة إلا الأرومة التاريخية للفظة (الأم) قد أتتنا من مراحل اللغة العربية البكر. ومما يرجح صحة هذا الرأي أن لفظة (ماما) موجودة في معظم اللغات الغربية، وأنّ الألفاظ التي تدل على معنى (الأم) فيها تبدأ بحرف الميم.