فهرس الكتاب
إنها القلوب المريضة القاسية والعقول المارقة الشاردة والنفوس الحاسد الحاقدة التي طالما ابتغتها عوجًا والتمست الهدى في غير طريق الله المستقيم بغيًا وعدوًا ومكابرة وعنادًا، ففيما رواه إسحاق من حديث سلمة بن سلامة بن وقش وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان من طريقه قال:"كان لنا جار من اليهود بالمدينة، فخرج علينا قبل البعثة بزمان فذكر الحشر والجنة والنار، فقلنا له: وما آية ذلك؟ قال: خروج نبي يبعث من هذه البلاد وأشار إلى مكة، فقالوا: متى يقع ذلك؟ قال: فرمى ببصره إلى السماء وأنا أصغر القوم، فقال: إن يستنفِذ هذا الغلام عمره يدركه، قال: فما ذهبت الأيام والليالي حتى بعث الله نبيه وهو حيّ، فآمنا وكفر هو"، وفي الخبر عن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: (لما قدم الرسول صلي الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء، غدا عليه حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب.. فهششت إليهما فما التفتُ إلي أحد منهما مع ما بهما من الهمّ، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي أهو هو(أي المبشر به في التوراة) ، قال: نعم والله، قال أتثبته وتعرفه؟ قال: نعم قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت أبدًا) ، فتلك شهادة بأنه هو عينه الموجود ذكره وصفته في كتب القوم، والشهادة إذا جاءت من العدو انتفت عنها تهمة التحيز وكان لها مزيد فضل لكونها شهادة حق على ما جاء في قول بعضهم: ومليحة شهدت لها ضراتها * والفضل ما شهدت به الأعداء، وآخر: شهد الأنام بفضله حتى العدا * والفضل ما شهدت به الأعداء.