الصفحة 125 من 194

رأوا تأويلها فيه، وهو يطوي الليالي والأيام ذات العدد ساغبًا، لا يجد في بيت من بيوت أزواجه كسرَة خبز، ولا تَمْرَةً يُهَدِّئ بها بعض مسْغبته، فيقول يُذَهِّبُ وجهه الأغر: إني إذًا صائِم. لا ليُعَلِّمُ الناس بذلك الصبر على الجوع واحتمالَ آلامه فحسب، بل ليعلمهم أن اللقمة شيء شريف، لا ينبغي أن تُنال إلا بشرف، ولا يُجمل بالشريف أن يُذِلَّ نفسه من أجل شيء شريف، إذ الشرف معدن نفيس كل ما يصدر عنه نفيس مثلُه.

رأوْا تأويلها فيه، حين أقبل عليه أعرابي، وضع كلَّ غلظته وفظاظته في يده، فجَبذه بردائِه جَبْذة شديدة حتى أثَّرت في عُنقه، صلوات الله وسلامه عليه. وقال له: يا محمد (هكذا) ! مُرْ لي من مالِ الله الذي عندك، فما يزيد

صلوات الله عليه على أن يبتسم ثم يَأمُرَ له بعطاء.

حلم تقاصر عنه الحلم نفسه، وعفوٌ ما يطيقه العفو نفسه، وصفح يستحيي منه الصفح نفسه.

رأوْا تأويلها فيه وهو يقف في غزوة أحد كأحد، مُرْسيًا قدميه في الأرض، تنهال عليه السهام، وتنعطف عليه الرماح، وتعقره الحفر، وتُحدِق به السيوف، كلها طامعة أن تأكلَ ولو مُضغة من جسده الطاهر، وتحيط به سنابك الشِّرك من كل جانب فلا ينال شيءٌ من ذلك من شجاعته، ولا يَفُلُّ من غرب بأسه.

طود شامخٌ يقف إلى جانب طود شامخ مثلِه، يُضرب بثباتِه المثلُ الأمثلُ في الشجاعة وشدةِ البأس.

رأوْا تأويلها فيه وقد أتاه حِبُّه زيدُ بن حارثةَ يشفع في امرأة من أشراف قريش سَرقت أنْ لا يقيم عليها الحدَّ، فقال:"والله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، إنَّما أهلك منْ كان قبلكم أنهم إذا سَرَق فيهم الشريف تركوه، وإذا سَرَق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت