آيةٌ كُتِبت حروفُها، ونُسِجَت معانيها بخصائِص النبوة الخاتمة، وأنبلُ خصائِص البشرية، لقفتها بشغفٍ رغيبٍ أُذُنُ كلِّ واحدٍ من أصحابه، واستقرت في وجدان كل واحد منهم، وامتزجتْ بأرواحهم، وسَرَت في عروقهم فقرؤوها حركة دائِبة تمشي في ليل ونهار، بكل معطيات الخير والحق والجمال، {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ} .
ثم رأوْا تأويلها الواضح المبين فيه، بشرًا رسولًا، يَرُدُّ غَرْبَ العقول إلى الحقيقة التي غابت عنها وهي ماثلة أمامَها، حين قال بعض الشاغبين: لولا أُنزل إليه مَلَك. فرد عليهم بوحي ربه: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} ، {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} ، {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا} .
رأوا تأْويلها فيه حين سمعوه يصرِّم آذان نفر تنزَّهوا عن شيء ترخَّص فيه، فيُذكِّرهم بأنَّه وإن فاق البشر بنبوته لكنَّه يظل بشرًا مثلهم،"ما بالُ اقوام يتنزهون عن الشيء أصنُعه، فوالله إني أعلمُهم بالله وأشدُّهم له خشية"، توجيه محكم، لا يُنْصِفُ فيه نفسه من نفسه، فقد جعله الله ميزانًا دقيقًا لكنه يُحذِّر به أقوامًا يأتون من بعده، يكادون يفوِّقون أنفسهم حتى على الأنبياء، ويبسطون أيديَهم وألسنتهم بالسوء والأذى في غير ورعٍ ولا علم.