الصفحة 123 من 194

وتوجت هذه الآيات كلُّها أكبرُها وأجلُّها، ألا وهي: نبي الرحمة والملحمة المبعوث نذيرًا وبشيرًا للخلق كافَّة، آيةٌ تجلت فيها خصائصُ الآيات جميعها، والتقت في سرِّها أسرارُها كلُها، ودارت في فَلَكِها حقائِقُها الظاهرةُ والباطنةُ بأسرها، وازدهت على الكون كله بثوب النبوة الأقدس، وتسامت على الدهر بنور الرسالة الأَسنى، وتناهت إليها هذه الآيات كلها في طواعية مختارة.

وتفجَّرت هذه الآية الكبرى آياتٍ بيناتٍ، تسعى في أرجاء الحياة الإنسانية كلها، في عطاءٍ جمٍّ، وسخاءٍ ثَرٍّ، وعطف نائِل، وهداية بارَّة، ورحمة سابغة، وشفقة غامرة، وشجاعة فريدة، وإنسانية تجاوزت في قُدُراتها وخصائِصها إنسانية الناس جميعًا، وذكاءٍ متوقد غابت بظهوره شموس المعرفة، وتواضعٍ نبيل لم يؤذن لتواضع معه أن يظهر، وقيادةٍ ملهمةٍ طأطأت لها القيادات هاماتِها، وحكمةٍ يانعةٍ بصيرة، وقفت أثرها حكمةُ الحكماءِ، وإنصافٍ من النفس، عجزت عنه حُلوم الحلماء، وصبر على الأذى، قَشْقَشَ جلادةَ الأقوياءِ، وعبادةٍ متبتلةٍ، أعجزت أقدامَ العباد، وزهد في الدنيا، أحزنَ قلوب الزُّهاد، وبأسٍ مرير تقطعت به مِرَّة أهل البأس، وخُلقٍ بعيد المنال، لاذت به أخلاق الأنبياءِ، واستشفعت به.

آيةٌ أشرقت بها الظلمات، وصَلُحَ عليها أمر الناس، ولوت إليها أعنَّتها ركائِبُ الإيمان، وتدافعت إلى وِرْدِها رغائِبُ الهدى، وصارت بها صحراءُ الجزيرة مهتوى قلوب العلماءِ، وتناهت إليها روافدُ الحق والجزاء، وانقشعت بها عن العيون الغواشي، وخمدت بقوتها رياح الشر السوافي.

آيةٌ مرموقة في الأَرض وفي السماء، تراها العيون، وتسمعها الآذان، وتعقلها القلوب، تنزَّل بها جبريل عليه السلام بأمر ربه، ليقرأها الكونُ كلُّه، بسمائِه وأرضه وأفلاكه، وتُخومه وأشجاره وأنهاره وبحوره، وإنسه وجنه وملائِكته وهوائِه، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت