لو كان للملوك مَلِكٌ غير الله لكان محمدًا، ولو كان للمال مالك غير الله لكان محمدًا، ولو كان للسيادة على الثقلين غير الله لكان محمدًا، أليس محمد صلوات الله وسلامه عليه هو الآية الكبرى التي انْخَنستْ بظهورها الآيات؟
آية اعتلت السماء عرشًا، وتبوأت الأرض دارًا، وفُتِحت لها أبواب الحصون المنيعة والقلاع طواعية، وارتقت الإنسانية كلها في سُلَّمها الصاعد في أسباب السماء، وركب الربانيون والأحبار بما استُحفِطُوا من حق وهدى، وانجابت بها عن الأرض غواشي الظُّلْم والظُّلَم، وتهاوت أمام عدلها عروش الطواغيت.
آية أخذ كل واحد من أصحابه رضوان الله عليهم منها قدر طاقته واستعداده، تفاوتوا فيها، فكان منهم المكثر ومنهم المقل، والمقل منهم كان كالمكثر فيمن بعدهم والمكثر فيمن بعدهم كان كالمكثر فيمن وراءهم،"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
ثم أعقبتهم قرون، وكل قرن يأخذ ممن قبله، حتى آل ميراث النبوة إلى قرن كثرت فيه نوابتُ السوءِ، وتعاظمت طغام الهوى، وأركضتْ خيلها الهزيلة خُيلاءُ الجهل، وطافت بليل ذئاب الغدر والختل، وأشرفت من فوق متن الزمن الشقي المكروب رؤوسُ الكِبْر الغريب، وتسربلت بسرابيلِ العلَم أجسادٌ فتك بها الحسدُ وسوءُ الظن والاستكبار عن الحق، ودَقَلُ العلم وزغَلُ الريبة، وأمسكت برُمَّة المسؤولية أيدٍ لا تفتأْ تنقض غَزل الصَّدر الأول من الصحابة والتابعين، واعتلت كرسيَّ العدالة قاماتٌ فارعة ازَّينتْ بأردية الكهنوت وأذناب الجحود والتنكر، فطمست أو كادت معالمُ العدالة التي نشرت الأمن في ربوع الأرض رَدْحًا من الزمن.