الصفحة 128 من 194

أخذ هذا القرن على نفسه أن يُجَمِّد الإسلام بصقيع البلاد التي صدَّرت قوانينها وأنظمتها، وأجلبت عليه بزيف حضارتها، التي دمرت الإنسان وأحبطت سعيه الجاهد في إعلاء صرح الخير في الأرض، كما أخذت على نفسها أيضًا أن لا تذكر نَبيَّها صلوات الله وسلامه عليه في كل عام إلا مرة أو مرتين، ثم تطمسه بضباب النسيان الثقيل، فلا تذكره وهي تُبصر بأعدائِها ينقضون أطرافها في عقيدتها وعبادتها وجهادها وأخلاقها وعلمها وقيمها وتاريخها ولغتها وأرضها وعِرْضِها وكرامتها، فتكون لهم في كل واحدة من هذه ذكرى تحفزها إلى كفت كل الأنظمة والقوانين المصدرة إليها في أُتون الحق المتأجج بشوقه العارم إلى بعث الدفء في أوصال المجتمع المسلم ووصله بالمجتمع الأول الذي أقامه صاحب الذكرى، فلا أدري والله كيف يطيب لنا أن نحتفل بذكراه في يوم لم يُرِد هو أن يكون.

إنه والله لبلاء ليس بعده بلاءٌ أن لا يُذكَرَ محمد صلوات الله وسلامه عليه في كل يوم بل في كل لحظة من لحظات الحياة، لأنه هو الذي بنى حياة المسلمين وأرسى قواعدها، فمن حقه علينا أن يعيش في قلوبنا آية متلوة بالحركة قبل الحروف ليكون لنا نصيب من قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله} ونصيب من قوله: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا} .

حينئِذ يكون الاحتفال الحق، أما احتفالنا هذا فمعذرة لك منه يا ربَّنا، فليس هذا من قدر نبيِّك، ولا به نكافئه، ونستغفرك اللهم منه، ونسألك ربَّنا أن تجزيه عنا وعن أُمته خير الجزاء.

التديّن بين الشكل والمضمون

أو بين القشر واللباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت