وإذا كان الله سبحانه قد حجب نفسه عن خلقه واختصَّ علمه بذاته بنفسه بحكمة يعلمها ويريدها في الدنيا، فإنّ هذه الحكمة اقتضت أن يعرف المُؤْمنون ربَّهم بذاتِه يوم القيامة حيث يشاهدونه عيانًا فتغرق كل لذة أصابوها في بحر لذة مشاهدة الحق سبحانه، يشاهدونه كما يشاهد البدر ليلة تمامه، مصداق ذلك في كتاب الله وفي سُنَّة نبيِّه، أما ما جاء في الكتاب فقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، هذه وجوه المؤْمنين مشرقة مسرورة تنظر إلى ربها في فرح وسرور وغبطة، أما ما في السُّنَّة فقوله صلوات الله عليه كما في البخاري:"إنكم سترون ربك عيانًا"، وفي"الصحيحين"أيضًا عن أبي سعيد وأبي هريرة: أن أُناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال:"هل تضارُّون في رؤْية الشمس والقمر ليس دونهما حجاب؟". قالوا: لا. قال:"إنكم ترون ربكم كذلك".
ولم يحدد لنا الرسول × في هذا الحديث صفات الذات الإلهية، ولا الحال التي يكون عليها الرب سبحانه حين يراه المؤْمنون يوم القيامة، ولكنه قال بأن الرؤية تتحقق لهم وأن الله سبحانه ينكشف لعباده المؤْمنين فيرونه بأبصارهم كانكشاف الشمس والقمر ورؤْيتهما بالأبصار المجردة، والمقصود هنا تشبيه الرؤْية بالرؤْية، وليس تشبيه المرئي في الآخرة -وهو الله سبحانه- بالمرئي في الدنيا -وهو الشمس والقمر.