الصفحة 139 من 194

وعليه فإني -ومع تقديري للمقالة التي كتبها الأُستاذ سهل- أودُّ -إبراءً للذمة، وأداءً للأمانة العلمية- أن أُبين للقراءِ خطأً شاع وانتشر حتى صار مقبولًا مقطوعًا به، وهو كلمة"الإنسان خليفة الله في الأرض".

وردت كلمة خليفة في القرآن في موضعين، الأول في سورة البقرة آية رقم (30) : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} ، والثاني في سورة ص آية رقم (26) : {يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ } ، كما ورد جمع لهذه الكلمة على لفظين: خلائِف وخلفاء، الأول في أربعة مواضع، والثاني في ثلاثة مواضع.

وأصلُ مادة هذه الكلمة: خَلَفَ، ثلاثي مفتوح العين، والمصدر خِلافة، ومعنىخلف فلان فلانًا خلافة، أي جاء بعده، قال في"الصحاح":"يقال: خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته، يقال: خلف في قومه خلافة، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} ، وخلفته أيضًا: جئْت بعده، قال في"القاموس المحيط":" {جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} ، أي هذا خَلَفٌ من هذا، أو هذا يأتي خَلْفَ هذا"."

وخليفة على وزن فعيلة، وهي بمعنى فاعل (خالف) ، وهذا يستلزم أن الخليفة يقوم عن المخلوف عنه في حال غياب المخلوف عنه بسبب من الأسباب الموجبة لوجود الخليفة، كي يؤدي ما كان يؤديه المخلوف عنه، فاجتماعهما معًا -أيْ: الخليفة والمخلوف عنه- فيه استحالة، لأن الخلافة لا تكون في حال وجود المخلوف عنه، بل تكون في غيابه لموت أو سفر أو مرض أو نحو ذلك من الأسباب، سواءٌ أكان السبب كليًَّا كالموت، أو نسبيًَّا كالسفر.

وهذا المعنى للخلافة لا يتحقق -قطعًا- إذا كان متعلقها بين الإنسان وبين الله، لأن الله سبحانه حي لا يغيب، وصفة الحياة لله دائِمة كذاته، وإذا كان الله سبحانه هذا شأْنه، فهل يكون للخلافة عنه معنى، أو هل يكون هو بحاجة إلى الإنسان الذي يخلقه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت