لو كان الله سبحانه محتاجًا لخليفة يقوم عنه بأمره، وينزل أحكامه نيابة عنه على خلق مثله، لكان مفتقرًا إلى خلقه، وحاشا لله أن يكون كذلك، وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وهو سبحانه (الغني) كما وصف نفسه.
إذًا فالعاجز هو من يكون في حاجة لمن يخلفه، وإذا كان هذا لا يصْدُق في حق الله فهو يَصْدُق في حق الإنسان، فيكون الإنسان هو في حاجة لمن يخلفه، سواءً أكان من يخلفه مثله أمْ لم يكن مثله بأن كان فوقه، أما إذا كان دونه فلا يكون خليفة عنه، لأن من دونه لا يكون إلا مما لا يعقل، ولا يصح عقلًا أن يكون ما لا يعقل خليفة عمن يعقل، وإلا لما كان
معنى لتفضيل الإنسان بعقله.
فاتضح مما سبق أن الخليفة إما أن يكون مماثلًا للمخلوف عنه. وإما أن يكون أفضل منه، وأنه لا يكون خليفة لمخلوف عنه من كان دون المخلوف في صفاته.
ولم يعهد عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى أنه كان يقول: إن الإنسان خليفة الله في الأرض، وإن ذلك من قول بعض المتأخرين، فعلينا كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: بالأمر العتيق.
ولو كان هناك دليل من كتاب أو سُنَّة يصلح للركون إليه لوصلنا علْمٌ عن السلف بذلك، بل إن الذي صحَّ عن رسول الله × خلاف ذلك، وهو ما جاءَ في الحديث الصحيح الذي كان يدعو به، وعلَّم أصحابه أن يدعوا به في السفر:"اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفةُ في الأهل"، فانتفى بهذا الحديث على وجه القطع واليقين أن يكون الله سبحانه -وحاشاه- مخلوفًا.
ثم إن كلمة خليفة التي جاءت في آية سورة البقرة لا يمكن أن تفيد ذلك المعنى البعيد، إذ لو كان ذلك المعنى المقصود لكانت الإضافة بكلمة خليفة لذاته العظيمة، كأن يقول: إني جاعل لي في الأرض خليفة، أو يقول: إني جاعل آدم خليفتي، ونحو ذلك مما يجعل المعنى البعيد معقولًا، بل أن يكون هو عين المطلوب.