الصفحة 142 من 194

وإن قال قائِل: إن الاستخلاف ليس على نحو ما قاله من ذكرهم ابن كثير رحمه الله، بل يراد به: القيام بأمر الله في الأرض وإنفاذ شرائِعه وأحكامه في نفسه وفي غيره. فهذا أيضًا لا يسمى استخلافًا لأن الله سبحانه هو قيوم السماوات والأرض، بيده الأمر كلُّه، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، وقيام الإنسان بأمر الله سبحانه وإنفاذ شرائِعه وأحكامه في نفسه وفي غيره في الأرض هو طاعة واستجابة لأمره سبحانه بها: {أَطِيعُواْ الله} ، والطاعة ليست استخلافًا عن الله سبحانه، بل هي إخبات وطواعية له، وإنفاذ أمره، واجتناب نهيه كما أراد من عباده.

وقد يحتج القائِلون بهذا المعنى للخلافة بقوله سبحانه: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} وهو بعيد جدًّا، لأن المعنى: إن تعلق صاحب المال بماله هو تعلق عارض يزول بزوال يد صاحبه عنه بالموت، ليؤول من بعده إلى الوارثين، فيكونون بهذا المال إما أسعد منه، وإما أن تلحقهم شقوة ذلك المال، فيكونون هم ومن كان يملكه ملكًا عارضًا من قبلهم في هذه الشقاوة سواءً إن كان لم يقم بحقه في حياته، أو يزيدون عليه فيها، أوْ يكونون أدنى منه منزلة في هذه الشقاوة.

فهذه الآية أيضًا ليس فيها ما يُغني من الحق شيئًا، والحق أحق أن يُتبع، والله يهدي من يشاء سواءَ السبيل.

ولعل في هذا القدر من البيان ما يكفي لإجلاء الريب، وإذهاب الشك، وإحلال اليقين والجزم بالحق الذي هو في الحقيقة ظاهر بنفسه، جلي بذاته، لا يحتاج إلى إدامة النظر، واستنطاق من غَبَر.

الوسطيّة بين الشرع والواقع

حين تبصر برجل ممَّن يقال عنهم: إنهم دعاةُ الإسلام، يفرح له قلبك، وينشرح له صدرك، وتقول: الحمد لله أنْ جعل للإسلام نصيبًا فيه، وتقبل عليه غير برم به، ولا مستثقل له حديثًا، ولا راغب عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت