الصفحة 146 من 194

والأمة المسلمة اكتسبت صفة العدل من توسطها بدينها، أي: اعتدالها فيه بين الغلو والتقصير من بين الأُمم التي سبقتها، فإن كل أُمة من تلك الأُمم قد جنحت إلى شيء سلبها هذه الصفة، فاستقرت لهذه الأُمة، فلا هي غَلتْ في الدين غُلُوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى عليه السلام ما قالوا، ولا هي قصرت في الدين تقصير اليهود، الذين بدَّلوا الكتاب، وقتلوا الأنبياء، وكذبوا على ربهم، فاستحقت الأُمة بذلك أن تكون شاهدة على الأمم كلها، بأن أنبياءها قد بلَّغوا رسالات ربهم، ونصحوا لها، يوم تدعى كل أُمة برسولها، يشهد لهذا قوله عليه الصلاة والسلام:"يُدْعَى بنوح عليه السلام يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت ما أُرسلتَ به؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقال له: من يعلم ذلك؟ فيقول: محمد وأمته. فهو قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا...} ، ويكرم الله هذه الأُمة بتصديق النبي عليه السلام شهادتها هذه، وذلك قوله تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ."

وبمثل قول ابن جرير قال ابن عطية في"تفسيره"، قال: وسطًا: معناه عدولًا، روي ذلك عن رسول الله ×، وتظاهرت عبارة المفسرين، والوسط: الخيار والأعلى من الشيء، كما تقول: وسط القوم، ووساطةُ القلادة: أنفس حجر فيها، والأمير: وسط الجيش، وكقوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} ، والوسْط بإسكان السين ظرف مبني على الفتح، وقد جاءَ متمكنًا"أي معربًا"في بعض الروايات في بيت الفرزدق:

فجاءَت بملجوم كأنَّ جبينه صلاءَة ورس وسطها قد تقلعا

•…رابعًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت