يقول ابن جرير رحمه الله عند تأْويله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا...} :"كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه السلام، وبما جاءَكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمَّةً وسطًا".
ثم قال رحمه الله:"وأما الوسَط؛ فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وَسَطُ الحسب في قومه، أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وَسَطٌ في قومه وواسط، ومن ذلك قول زُهير بن أبي سُلمى:"
هُمُ وَسَطٌ ترضَى الأنامُ بحكمهم إذا نَزَلَت إحدى الليالي بمُعْظَمِ
ثم قال:"وأما التأويل؛ فإنه جاء بأن الوسط العدلُ، وذلك معنى الخيار، لأن الخيار من الناس عدولهم"، ثم أورد أقوال من قال بأن الوسط العدل، فقال:"حدثنا سَلْم بن جُنادة، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي × في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ، قال:"عدولًا"". وساق مثله من طريق أُخرى عن أبي هريرة. ثم ساق أقوال طائِفة من السلف، منهم ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع، وكلهم يقول:"إن الأُمة الوسط هم العدول".
•…ثالثًا:
إن هذا المعنى هو الذي يأْتلف مع الجزء التالي من الآية، وهو: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ} ، فإن الشهادة لا تقوم إلا بالعدل والعدول، ولا تقبل إلا من عدل، وإذا كانت الشهادة في الدنيا لا تكون إلا من عدل، فأولى أن تكون الشهادة في الآخرة من عدول أيضًا.