الصفحة 144 من 194

ولا أجدني الآن راغبًا في تفصيل هذين الأصلين، وبيان فروعهما، إذْ ليس هذا مرادي، ولا هو قصدي، بل أقصُد إلى تصويب مقولةٍ صارت من الحقائِق المسلَّم فهمها على غير وجه حق أو صواب عند السواد الأعظم من مثقفي هذه الأمة، تصويبًا لا يعتمد خطفة النظر السريعة في صفحة من صفحات كتاب، ولا إصغاءة عابرة تلقف جملة مبتورة لا تغني من الحق شيئًا، ولا جراءَة على الدين واللغة، يضل بها العقل والقلب معًا، بغير علم ولا كتاب منير، وهل أُتي المسلمون قديمًا وحديثًا إلا من جهل ضرب على عقولهم، وهوىً استحوذ على قلوبهم، وبين جهل وهوى لا يظهر حق لطالبه، ولا يبين رشد لباغيه.

هذه المقولة هي ما صار يعرف بـ"نظرية الوسطية"التي شاعت على ألسنة دعاة الإسلام، آخذين لها من قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} ، ظانين أن كلمة وسطًا تعني وقوع الشيء بين شيئَين، وهذا بعدٌ بعيدٌ عن الصواب، يظهر بعده من وجوه نعرضها إن شاء الله.

•…الأول:

إن كلمة الوسط في اللغة تعني العدل، قال صاحب"القاموس":"والوسَط محركة، من كل شيء أعدله، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ، أي عدلًا خيارًا".

أما الكلمة التي تعني وقوع الشيء بين شيئَين فهو وسْط، بتسكين السين لا بفتحها، والفعل منها (وسَطَ) كوعد، قال صاحب"القاموس":"وسَطَهم وسْطًا، بتسكين السين، وسِطَةً، جلس وسْطهم، بتسكين السين، كتوسَّطهم، بتضعيف السين".

من هذا الوجه يظهر لنا الخلاف بين الكلمتين في المعنى - فوسط بتحريك السين فتحًا هي العدل، ووسط بتسكين السين هي بمعنى وقوع الشيء بين شيئَين، واتفاق الكلمتين في أصل مادتهما لا يعني اتفاقهما في المعنى، وهذا كثير جدًّا في اللغة.

•…ثانيًا:

أقوال المفسرين في هذه الكلمة تجري بين المعنيين اللذين جرت فيهما بمعناها اللغوي، إذ اللغة أصل من أُصول التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت