ما جاءَ في القرآن من معنى وسط، مما أيدته لغة العرب وتأويل المفسرين الحذّاق لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ، نجده أيضًا في السُّنَّة هو المعنى نفسه، من ذلك: ما جاءَ في"مسند الإمام أحمد"من حديث البراءِ بن عازب قال: كنا جلوسًا عند النبي × فقال:"أي عرى الإسلام أوسط؟". قالوا: الصلاة، إلى أن قال:"إن أوسط عرى الإيمان أن تحبَّ في الله وتبغض في الله". ومنه ما جاء في"البخاري"من كلام أبي بكر رضي الله عنه يوم السَّقيفة: هم أوسط العرب دارًا. يعني المهاجرين. ومنه أيضًا ما رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه: أن رسول الله × قال:"الوالد أوسط أبواب الجنة"، أي خيرها. قال في"النهاية": ومنه سُميت الصلاة الوسطى، لأنها أفضل الصلاة وأعظمها أجرًا.
•…ثامنًا:
من كل ما تقدم علمنا بأن المراد بكلمة وسطًا في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} : العدول والأخيار. وليس كما يَفْهم بعض المثقفين، أو الجهلاء من الدعاة، أو الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، من نفرٍ أُوتوا حظًّا من القدرة البيانية، والفصاحة اللغوية، لحاجةٍ في نفس يعقوب، يحرصون على نوالها، ولا يجدون موطئًا لألسنتهم -التي تسوق البيان والفصاحة سوقًا- تطؤه أسهل من النفاق، لتنال حظوة عند ذي جاه أو سلطان، أو لئَلا تخرج عن دائِرة سفهاءِ الأحلام، أو لئَلا تثير سخط
العامَّة عليها.
أقول: ليس كما يفهم هؤلاءِ أو أولئِك معنى (وسطًا) من أنه التوسط في أمر الدين على نحو لا يغضب به أحد مما يخالفك فيه، حتى ولو كان أصلًا من أصول العقيدة.
فالجانح بنفسه عن الدين كله وهو يعتقد أنَّه موصول به لا ينبغي -في مفهوم الوسطية- أن يقال له: إنك جنحت، إلا إذا علم أنه لا يغضب من هذا القول أو من مثله.