الصفحة 149 من 194

والمتذبذب في الدين - وهو قطعًا يعلم أنه تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء- لا يجوز أن يقال له: إنك متذبذب، لأنه قد يترك أثرًا سلبيًَّا في نفسه يجعله يلوي بعنان قلبه إلى صريح الكفر.

والمداهن في دينه، لا يصلح -في مفهوم الوسطية- أن يقال له: إنك مداهن، خشية أن ينفر فلا يستمع إلى قول حق أنت قائِله له.

والخبيث الذي ينطوي قلبه على دخن، ويتربص بالإسلام الدوائِر، لا يحسن أن يكاشف بخبثه، لأنَّه في مفهوم الوسطية قد يزيد من خبثه.

والذي يدَّرئ بالعمل بأمر من أُمور الشرع، يرضي به المغفلين الجهلة، ويمد قلبه ويده إلى غير هذا الأمر، فيغير ويبدل كما تزين له نفسه، لا ينبغي -في مفهوم التوسط- أن يقال له: أنت على خطإٍ، على الأقل، لكيلا يتركَ الأمر الذي يضحك به على المغفلين الجهلة.

وذو الفكر الداعر الذي يحلو له أن يصلي مثلًا أحيانًا من الخير -في مفهوم الوسطية- أن يسكت عنه لئَلا يترك الصلاة بالكلية.

والضالع في الشرك من الغارقين في ضلالات الفكر الديني، المصنوع في الأقبية والزوايا، ووراءَ الأستار السوداء، وتحت الألحفة الحريرية، على عين إبليس، من الأفضل -في مفهوم الوسطية- أن نسكت عنه لئَلا نثير فتنة، أما أن يمخر هو عباب الفتنة بكل عتمتها وحصادها وآثامها فحسن جميل.

والضارب في متاهات التهويم من المُسلمين قيادَهم للإفك والخرافة والزندقة، فيجدر بنا -في مفهوم الوسطية- أن نتركهم وشأنهم ليملؤوا الأرض فسادًا وقبحًا.

والآخذ بعنان الشهوات يركض فيها خيله، فلا يخلص من واحدة حتى يضع في ثانية وثالثة، متخذًا من الدين مطيَّةً لها، كلما لاح له برق أسرع، حتى إذا عجز أو أقعده عن شهواته أمر، وقف عند ثمالة آخر واحدة منها لا يبرحها، فحري بنا -في مفهوم الوسطية- أن نحزن بقلوبنا حزنًا خفيًّا لا يكون له أي أثر ظاهر علىما يصيب من شهوات، وأن نفرح فرحًا عظيمًا، حين يقف به العجز عند ثمالة واحدة منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت