وإذ الأمر كذلك، وإنه لا يكفي في الحكم على هذا اللفظ بالغربة
والبطلان، بإطلاق ذلك عليه، فلا بُدَّ إذًا من إقامة الحجة، وتقديم الدليل على بطلان هذا المصطلح وغربته، وعلى فساده وعدم صحته. فكلمة (رأي) مصدر لرأى يرى، يقال: رآه يراه رأيًا، أي: أبصره بحاسَّة البصر، واعتقده، ودبَّره، فتكون كلمة (رَأْي) مصدرًا لـ (رأَى البصرية) و (رأَى العلمية) كما يقول اللغويون والنُّحاة، ولسنا هنا بصدد الحديث عن رأى البصرية ومصدرها، بل حديثنا يدور حول رَأى العلمية ومصدرها.
فحين يعمل الإنسانُ رأيه في أمر للوقوف عليه صحةً أو بطلانًا، قوةً أو ضعفًا، صوابًا أو خطأً، يعمله وهو يعلم علم اليقين أن وقوفه على أحد وصفي الأمر الذي يُعمل رأيه فيه، يتردد بين الوصفين اللذين يوصف بهما الأمر نفسه، من صحة أو بطلان، وقوة أو ضعف، وصواب أو خطإٍ، لأن وقوفه عليه -وهو الحكم الذي ينتهي إليه على هذا الشيءِ- ناشئٌ من تقديره العقلي، والعقل خَلْق الله سبحانه، ولا يبلغ حدَّ الكمال بنفسه، ولا يرتكس إلى النقص بنفسه، فنقصه وتمامه، أمران نسبيان ينشأ بهما الحكم على الأشياء.
والرأي هو نوع من التدبير، بل هو التدبير عينه، وإعمال النظر، وإجالة التفكير في الأمور، والحكم الذي ينشأُ من ذلك، لا يكون مقطوعًا به يقينًا، بل يكون مظنونًا، والظن -راجحًا كان أم مرجوحًا- لا يخرج عن دائِرة الظن، وإن كان صاحبه قد وصل إليه بإعمال، وتدبير، وتفكير، وتسميته حكمًا من باب التجوُّز ليس إلاَّ، وهو بهذا لا يكون إلا ظنًّا، والرأي، والظنُّ، والحكم في هذا، كلُّها مترادفات لشيء واحد.
وإذ ذلك كذلك فإنَّ كلمة (رأي) لا تصلح أن تُطلق، ويراد بها أمر