ومما يؤكد هذا أن الرسول × -مناط الوحي، ومعدنه المتلقيه، وحافظه ومُبْلغُهُ- قد علَّم الأُمة أن الرأي منه لا يكون وحيًا، وأن الوحي لا يكون إلا وحيًا، وأنه × بمحض بشريته لا يكون إلا بشرًا فقال عليه السلام:"إذا أمرتكم بشيءٍ من رأيي فإنما أنا بشر"، فما يصدر عنه من رأي محض يظل رأيًا، ربما كان رأي غيره مقدمًا عليه، كما كان ذلك في تأبير النخل، وردِّه الأمر إليهم، وأنهم أعلم بأمور دنياهم، وما ذلك منه صلوات الله عليه وسلامه إلا إقرارًا ببشريته، وإن فاق بشرية الناس بها، لكنه يظلُّ بشرًا، يكون منه ما يكون من سائِر البشر، يدع لهم ما يحسبون أنهم على علم به لتجربة أو خبرة، فيقول لهم يومًا في سفر، وقد ظنوا أنهم فرَّطوا في صلاتهم:"ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فإليَّ"إنه حقًّا لرسول بشر عظيم!!
وقد فقه الصحابةُ رضوان الله عليهم هذا عن نبيهم عليه الصلاة والسلام، فما عدوه، ولا جاوزوه، بل وقفوا عنده، ولزموه، وكانوا به متبعين، آخذين به أنفسهم، فلم يقدِّموا الرأي، ولم يُقدموا على جعله سبيلًا إلى دين الله، إلا كان أحدهم يعجز عن إقامة الدليل على المسألة التي يفتي بها غيْره، متهمًا نفسه أولًا، فهذا عمر رضي الله عنه، يخطب الناس يومًا فيقول:"يا أيها الناس، إنَّ الرأي إنما كان من رسول الله × مصيبًا، لأن الله"
كان يريه، وإنما هو منا الظنُّ والتكلف"."
بمثل هذا النظر الدقيق المنبِئ عن تقوى في صدورهم كانوا يعرفون الفرق الكبير بين الوحي وبين الرأي، قبل أن يتقرر الوحي فيُمضى، لأنه وحي، أو يوقَفُ عنده، فلا يُمْضَى لأنه ليس بوحي.