الصفحة 157 من 194

وقد ظل الرأي مدرجة الظن والاتهام والخطإ عند الصحابة، ومن بعدهم، ممن أخذ عنهم أو أخذ ممن أخذ عنهم، لا يجدون فيه بَلالًا لعقولهم، التي ما كانت تجد ريًّا لظمئِها إلا في نصوص الوحي فحسب، حتى وفدت على دار الإسلام وأهله عقول، لم تكن بقادرة أن تُسيغ بعجمتها الفكرية سلامة الوحي، وصفاء آياته وكلماته، فأبعدت النجعة بآرائِها، وسارت بالأمة بعيدًا عن صفاء الوحي وسلامته، وأخذت تزرع آراءَها العقلية، بين أظهر المسلمين، وكادت أن تجعل منها دينًا يعدل الوحي، ولكن أنى؟ وكيف؟ والوحي محفوظ بحفظ الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!!

ولست بمغفلٍ القول: إن الاجتهاد الذي حرَّك نصوص الوحي في عقول العلماء، وأدخلها عقول الملايين من طلاب العلم في شتى الأعصار والأمصار، وماج بها موجًا في عرصات المدارس والمساجد، وبنى صروحًا شامخة ضخمة في كل ديار الدنيا، انطلقت من فوقها نظريات وقواعد علمية جرت في الآفاق مجرى الليل والنهار، وفي الأنفس والعقول مجرى الهواء والدَّم، وبهرت أنظار العلماء من كل أُمم الأرض قاطبة، وحملتهم على حروفها ودلالاتها كما تحمل الطيور على الأغصان المونقة الخضراء.

أقول: إن هذا الاجتهاد كان، ولا زال، وسيظل أبرز سمات الإسلام نفسه وأعظمها، بل هو السمة الظاهرة الكبرى، التي تميزه من بين سائر الأديان والمذاهب، التي حملها الأنبياء والمصلحون البشر إلى شعوبهم وأُممهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت